الأربعاء، 25 فبراير 2009

- ثلاثة قردة وربما أكثر





من أفلام السينما التركية المعاصرة


فرضت السينما التركية تلسها علئ العالم في مراحل مختلفة، من خلال الجوائز العالمية التي فازت بها في المهرجانات السينمائية.

ومازال جمهور السينما يذكر ولاشك بعض الأفلام التركية المهمة منل (الطريق و الدواء) وبعض أفلام المخرج يلماز غوني، وأفلام متفردة أخرى، وقف التوزيع عقبة أمام تعرف الجمهور عليها.

خلال العقد الأخير وأكنر قليلا ظهر اتجاه جديد في تركيا، يعرف باسم السينما التركية المعاصرة، وهي تتميز بقدرتها علئ تجاوز المحلية التركية إلى أفاق إنسانية أوسع واشمل، وهذا ما جعلها محط تقدير لدى النقاد من كل أنحاء العالم واهلها للفوز بالعديد من الجوائز في المهرجانات الدولية.

في الوقت نفسه ارتبطت هذه السينما بالحياة الفردية والاجتماعية في تركيا المعاصرة في تركيز متجدد علئ إثارة الأسئلة التي تواجه الإنسان في حيرته ووجوده الحياتي والطبيعي.

يمكن أن نذكر الكثير من المخرجين الذين ارتبطوا بهذه السينما التركية المعاصرة ومنهم زكي ديركويوتز في أفلامه مثل: القدر واعتراف. ونذكر أيضا يسيم اوستاو غلو في أفلام مثل: في الطريق إلى الشمس وفي انتظار الغيوم.

هناك أيضا من ألمخرجين ريحا أردام في أفلام مثل: أزمان ورياح ولسنا إلا شيئا قليلا، وكذلك سميح كابلا نوفلو في أفلام مثل: البيضة وسقوط الملاك، وتضم القائمة عددا أكبر من المخرجين مثل: سيفي فاورمان واوزار كيزلكان وأحمد أولوماني لكن يبقى المخرج التركي نوري بيلغي سيلان هو الأهم والأشهر وخصوصأ أن أفلامه قد نالت جوائز كثيرة ولا سيما في المهرجانات الأوروبية.

من أشهر أفلام هذا المخرج (الشرنقة) 1995 وهو فيلم قصير عرض في مهرجان كان السينمائي. أما أول أفلامة الروائية الطويلة فهو (البلدة الصغيرة، 1998 ‏).

واشتهر بعد ذلك بفيلم (غيوم مايو، 2000 ‏) ثم فيلم (مسافة، 2002 ‏) الذي حاز علئ جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي.

الفيلم الرابع جاء بعنوان (مناخات، 2006 ‏) وفاز بجائزة النقاد العالميين

يبقى فيلمه الخامس وهو (القردة التلانة) الذي فاز بجائزة الإخراج في مهرجان كان السينمائي 2008 ، حيت يشكل هذا الفيلم علامة نضج واضحة في تجربة المخرج، ولا سيما من حيت تركيزه علئ تشريح طبيعة الذات الفردية وعزلتها ومدى قوة تفاصيل الحياة اليومية، وانعكاس ذلك علئ محيط الجماعة والفرد.

يعود بنا فيلم (القردة التلانة) إلن حكاية القردة المعروفة وهي حكاية مصورة أو مرسومة تغطي تلانة أوضاع لتلانةقردة، الأول يغطي عينيه فلا يرى والتاني يغطي فمه فلا يتكلم والتالت يغطي أذنيه فلا يسمع.

وقد ذهبت هذه القصة احيانا حكمة صينية منلا لدلالة علئ الحكمة أو عدم التهور أو اللامبالاة، وخصوصا في حالات الظروف الصعبة، فهذا الاختفاء الكلي أو عدم الحضور الفعلي ربما يكون منقذا، وفي نفس الوقت ربما يؤدي إلى ما هو سلبي وأكنر.

نقول ذلك لأن العنوان (عنوان الفيلم) هو مجرد دلالة رمزية لأحدات الفيلم، غير أنه ليس بالضرورة أن يكون الأمر منطبقا بصورة دقيقة في تداخل بين عنوان الفيلم ومعانيه، ولكن هذه مجرد صورة أولية، ربما تفضي إلى ما هو أبعد من التصور المبدئي المطروح.

يصوع الفيلم حياة رتيبة وتقليدية وهادئة لعائلة مكونة من زوج وزوجة وابن.. لكن هذا الهدوء الظاهرى يأتي من يحرك سواكنه ويهزه بشدةفالتجانس العائلي ليس إلا شكلا خارجيا لقوام هش من الناحية الفعلية.

حقيقة هذا الانهيار تبدأ من الزوج (إيهاب) حيت يقبل عرضا يأتيه من رئيسه في العمل (سيرفت)، وهو عرض مهين.. لكن يقبل به لأنه يوفر له مبلغا جيدا من المال، ولا يغير من وضعيته باعتباره مجرد سائق يعمل عند أحد السياسيين والفارق بين طبقة السياسي وطبقة السائق واضحة. إذ تسمح هذه التراتبية بأن يتحمل الأضعف خطايا الأقوى بسبب الاحتياج المالي. بالإضافة الى المرتب الشهرى المستمر

فعليا يبدأ الفيلم بمشهد سيارة صغيرة يقودها (سيرفت) تتحرك في طريق صعبة وصغيرة ومظلمة، وبسبب سيطرة عامل النوم، نسمع صوت ارتطام فقط لنعرف أن السيارة قد أصابت شخصا مجهولا وعندما يدرك سيرفت ذلك، يختفي بمجرد ظهور سيارة أخرى. ولكن أصحاب السيارة الثانية قد عرفوا جيدا السيارة الأولئ، مما يعني أن هناك مخاوف من بلوغ الحقيقة ومعرفة الجاني الحقيقي.

في نفس الوقت يقود سيرفت انتخابات محلية، ويخشئ أن يهدد هذا الحادث فرصته في النجاح، ولذلك يعرض علئ سائقه إيهاب أن يتحمل المسؤولية فيسجن لشهور معينة بديلا عنه، والإغراء المادي بالطبع هو الحافز.

لم يكن إيهاب يتصور أن هذا المدخل هو ضربة أولى تجر معها ضربات أخرى، وذلك أشبه بلعبة (الدومينو)، فقد أتيحت الفرصة للعائلة لتجديد اختياراتها

الابن إسماعيل يفشل للمرة التا نية في النجاح، ويتعذر عليه دخول الجامعة

وتقفز رغبته في الحصول علئ سيارة عائلية إلى الظهور، وينوي أن يحقق ذلك.. فيعمل علئ هذه السيارة لإيصال التلاميذ إلى مدارسهم. وهو يدفع أمه إلى مطالبة (سيرفت) بدفع المبلغ قبل خروج الأب.

الأم (أسر) ليس لديها حافز واضح، ولكن تريد أن تنقذ ولدها إسماعيل من تعاطي المخدرات والتعامل مع رفاق السوء، ولا يكون ذلك إلا بالمساعدة في الحصول علئ المبلغ مبكرا.

لكن من جانب أخر أتيح للزوجة أن تلتقي بهذا المسؤول السياسي الكبير الذي لديه قدرة واضحة علئ ألتلاعب بمصائر الناس واستغلال احتياجاتهم، وهو يساوم الأم علئ إقامة علاقة غرامية، مفتتحا ذلك باستقبالها في مكتبه، تم إيصالها إى البيت بسيارته، وربما كانت الزوجة في حاجة إلى رجل فكانت هذه العلاقة خطوة مبدئية، صارت بالنسبة

إليها أساسية وضرورية، حتئ بعد خروج الزوج من السجن.

ربما كان القرد الأول هو الابن إسماعيل، فهو قد عاد إلى المنزل بطريقة مفاجئة بعد أن توجه إلى زيارة الأب، ويوضح سيناريو الفيلم السبب عندما يلوث إسماعيل قميصه وتصبح الحاجة إلى تغييره ضرورية، وهذا مبرر العودةالمفاجئة.

يكتشف الابن خيانة أمه مع سيرفت، ولا يجد أمامه إلا صفعها عدة صفعات، وبعد ذلك ينسئ كل شيء فيقفل فمه أمام أبيه وكأنه لم يسمع أو ير أو يتأكد ومرة أخرى يوضح الفيلم أن القيمة المالية هي السبب.

بعد شهور من السجن يخرج الأب ليشهد الخيانة أيضا، عن طريق مكالمة من سيرفت سمعها بنفسه، وقد سبق له أن سأل عن الكيفية التي صرف بها المبلغ، وعن هذه السيارة الجديدة، وعن علاقة زوجته بكل ذلك. ورغم مواجهته لزوجته أو محاولته ذلك إلا أنه يدفع الى أن يكون سلبيا، فكأنه لم يسمع شيئا.

الزوجة يصورها الفيلم بطريقة مختلفة نسبيا، فهي في مشهد له دلالة، نراها وقد أحست بشىء من الحرية، عندما تقذف بحذائها إلى الأعلى وتتمدد علئ الكرسي بكل ارتياح، لا يعوقها الإحساس بالخيانة أوأهمية الاعتراف الفعلي وإنما زيادة الإحساس بأن التجربة تبدو هذه المرة ذات طابع مختلف، والدليل علئ ذلك أنها تبحت عن أية طريقة لكي تدوم علاقتها بسيرفت والتي تريدها ان تتحول من علاقة مؤقتة إلى علاقة دائمة، ولكن من وجهة نظرها فقط،.. ذلك أن السياسي المسؤول يرأها مجرد صفقة انتهت باستلام المبلغ المالي، وخروج الزوج من السجن.

هناك ولا شك حالة من البرود تسيطر علئ الفيلم. وهو برود يخدم عزلة الأفراد وعدم انسجامهم وابتعاد كل منهم عن الآخر. فهذه العائلة التي تسكن بيتا واحدا هي في الحقيقة متفرقة، لا يعلم أي فرد ماذا يدور بذهن الآخر، ورغم الانسجام المبدئي في علاقة الأم بابنها، حيت يخرجها لحفلات معينة ويتنزهان سويا، إلا أن كل تنخص يبقى بعيدا، فلا يقترب من التأني.

هذه البرودة يصورها الفيلم ببطء شديد، وبطريقة لاتصور الأحداث فعليا، إننا لا نرى شخصا يقتل بوضوح في حادث السيارة الرئيسي الذي يبدأ بة الفيلم

كما أننا لان نشاهد فعليا خيانة الزوجة، إلا من خلال صوت الرجل، تم خروجه من البيت، تم تجاذبه أطراف الحديت مع الزوجة، عندما يطلب منها أن تنهى هذه العلاقة، وألا تحاول الاتصال به .

اننا مرة أخرى لا نعلم بجريمة القتل التي دبرها الابن إسماعيل ضد سيرفت، إلا من خلال التحقيق مع الأب، تم اعتراف الابن بذلك لأبيه فقط. إن كل الأطراف لا تريد أن تفقد أوضاعها التي تعيش فيها، ولا تريد أن تنغص حياتها بالبحت في هذه الخيانة، وهي تقبل بها وترضاها، حتئ لا يتبعتر كل شيء ولو كان هزيلا وهشا، فالمعرفةهنا تؤدي إلى المشقة والحرمان.

يركز الفيلم علئ النافذة التي تشرف علئ خط سكة الحديد و علئ مشا رف ضواحي مدينة اسطنبول، وعن طريق هذه النافذة تلتقي الأسرة بالخارج، أما الشقة نفسها فقد بدت ضيقة والمنزل غير واضح المعالم، إلا في النهاية لنعرف أنه بناية صغيرة متكاملة

في مشهدين نرى وجه الابن إسماعيل وهو خارج نافذة القطار قليلا، فهو الوحيد الذي يقفز علئ الحاجز بين البيت وسكة الحديد، وهو بالتالي الوحيد الذي يصبح شخصا عمليا، لأنه يقرر أن يقتل (سيرفت عشيق الأم. أما الأب فهو يعيش مع الأوهام والخيالات، فهو يتوهم منلا أن زوجته سوف تنتحر عندما تجلس علئ حافة السقف العلوي، وهو أيضا يتوهم ويتخيل ابنه الصغير الذي مات منذ سنوات، زائرا له ومترددا عليه بين الحين والآخر. لا يوجد مبرر درامي واضح لحضور خيال هذا الطفل الصغير، فقد نقل الأحدات إلى جانب غير واقعي، رغم أن الفيلم مفرط في طبيعته وواقعيته وتشريحه لما بداخل الأفراد من استبطا نات لا تكاد تخرج إلى السطح.

هناك تركيز أحيانا علئ اللقطات المقربة، مثلا حبات العرق المتساقطة، والوجوه التي لا تنطق، لأن نسبة الكلام في الفيلم قليلة إلى أبعد الحدود.

في مشهد قصير يزور الأب (إيهاب) مقهى مجاور له بعد خروجه من السجن ويلتقي بفتى يعمل بالمقهئ وينام في نفس آلمقهئ، فهو فقير وبائس تقريبا (إبراهيم)، إنه أقل منه درجات علئ مستوى الطبقة الاقتصادية، مثلما كان هو أقل من المسؤول السياسي

. .يعيد الفيلم نفس ما طرحه في المقدمة.

يطلب الأب من فتى المقهئ أن يتحمل وزر الجريمة ويدخل السجن بديلا عن ابنه، علئ أن يستلم مبلغا ماليا بعد خروجه، وهوبذلك يحل مشكلة السكن أيضا بدخوله إلى سجن مضمون التكييف والأكل اليومي.

يقبل فتى المقهئ بالعرض فهو صورة متجددة من إيهاب.

بذلك تصبح القضية منتهية، وتعود الأسرة إلى باقي حياتها، وتنسئ أو تتناسى ما حدت لها سابقا، ولعل متنهد دخول إيهاب إلى المسجد يقود إلى هذه التسوية المحتملة. لكنه يناقض نفسه في نفس الوقت، لأنه يعيش ازدواجية محيرة، ربما تستمر بداخله. فدخول المسجد ليس له علاقة بالوعي واليقظة، وإنما يدل علئ الانهيار.

في آخر الشريط تتجمع الغيوم في السماء وتنذر بالمطر الذي يبدأ غزيرا مصاحبا للرعد والبرق، وهو ليس علامة إيجابية، إذ نحن إزاء تطور درامي لاحق، وكأننا أمام رواية لدستويفسكي مثلا أو فيلم لتاركوفسكي، فما هو قادم يبدو أكثر شحوبا وبؤسا وفيه علامات علئ انهيارات داخلية أشد اتساعا، وهي وجهة نظر يطرحها تصور المخرج لسيناريو الفيلم، ويعبر عنها بألوان اقتربت من اللون الأصفر، حيث يتعرى الإنسان وتنكشف د واخله بصورة مكشفة ولا يجدي معها أي ترقيع خارجي.

في هذا الفيلم اعتمد المخرج نوري سيلن علئ ممثليين محترفين، علئ عكس عادته سابقا في استخدامه لهواة أو عناصر من عائلته، ولا شك في أن الممثل إيكر ان كيسال والممثلة (هاتيكا أسلان) والممثل الآخر الذي قام بدور الأب (يا فز بنقول) كل هؤلاء قد أضافوا إلى الفيلم نكهة خاصة. لأنهم أدركوا ماذا يراد منهم بالفعل وقاموا به بكل حيوية ينطق بها الوجه قبل اللسان.

وما يلاحظ في الفيلم أن هناك اختصارا في الأحداث ومحاولة للتعبير عن الوقائع من بعيد وليس تجسيدها بالفعل، ولهذ كان الفيلم مختصرا رغم نسق بوادر الصدفة التي تسيطر عليه، ولا سيما من حيث اختيار نوعية اللقطات وعدم الكشف عن التعبيرات الحقيقية والانتهاء بما يقود نحو الغموض والتوجس والحيرة، وهذه العلامات الثلاث هي قردة أخرى في طريقها إلى التشكل.

السبت، 21 فبراير 2009

حول الحالة الغريبة للسيد بنجامين بوتون






تأملات فى الموت والزمن والحياة

يقودك هذا الفيلم و الذي عنوانه (الحالة الغريبة للسيد بنجامين بوتون) إلى نبش الكنير من القضايا المتصلة بالسينما والأدب من ناحية، وكذلك القضايا المتصلة بمعالجة السير الذاتية علئ الشاشة

أما عن الجانب الأدبي، فالفيلم يعتمد علئ قصة ليست قصيرة للكاتب الأمريكي سكوت فيتزجيرالد ( 1896 ‏- 1950 ‏) نشرت عام 1922 ضمن مجموعة قصصية وبنفس العنوان. وما كتبه الروائي في الأصل الأدبي يختلف بدرجة كبيرة عمآ قدم في الفيلم حتئ أنه يمكن القول بأن العامل الشترك بين الفيلم والقصة لا يعدو أن يكون حضور الفكرة الرئيسية فقط.

وكل ذلك يعني أن حقل الاقتباس مفتوح علئ مصراعيه، وأن الادعاء بضرورة التمسك بكل تفاصيل العمل الأدبي ليس إلا فكرة مغلوطة لا تخدم فن السينما بأي حال من الأحوال.

الجانب التأني هو مجال السير الذاتية.. والشخصية هناهى (بنجامين)وهى ليست شخصية عامة أو مشهورة منل غيرها من الشخصيات ، إنه تنخصية عادية من جانبها التاريخي والاجتماعي. لكنها صارت كذلك بسبب ظروفها الخاصة وغرابة نوعية حياتها، وبسبب هذه الغرابة، تحولت إلى شخصية ربما تكون عامة، أو علئ الأقل تستحق أن تروى قصتها وأن تذكر ضمن قصص السير الشخصية.

لقد ولد بنجامين كبيرا في السن ساعة مولده.. ليس من حيث الحجم ولكن من حيث الشكل الخارجي أولا، ثم عمره الفعلى الذي تجاوز 86 عاما. ومن الطبيعي أن يتدرج الأمر بعد هذه الفرادة أو الغرابة إلى السير بالاتجاه المختلف. أي أن يكون النمو بالعكس.. فيصغر بنجامين تدريجيا ومع مرور السنوات إى أن يصل إلى مرحلة الطفولة، ثم الموت بعد ذلك. والموت هنا صيرورة حاسمة ونهاية مستقرة وثابتة ولا يختلف الأمر كثيرا سواء بدأنا من النهاية أو من البداية.

لا تهمنا كثيرا البواعث التي جاءت وراء مسألة اختيار هذه الفكرة

اوصياغتها بشكل قصصي.. فمن ضمن أصول كتابة القصة القصيرة بشكلها التقليدي أن يلتقط الكاتب فكرة مؤثرة أو دالة أو غريبة

والمهم هو كيفية المعالجة بالدرجة الأولئ، وإذا عدنا إلى رواية غاتسبي العظيم 1925 احدى أهم روايات الكاتب وجدنا بطلها يبحت عن فكرة غريبة ويحاول تطبيقهابشكل استنما ري وتجاري، وبصرف النظر عن مقدار النجاح أوا لفشل. فالمهم هو البحت عن المختلف، اللافت للانتباه.

في هذا الفيلم ( الحالة الغريبة للسيد بنجامين) يبدو الأمر وكأنه مختلف.. ذلك أن التركيز قد انتقل إلى ما هو أبعد من غرابة الواقعة، وطال الأمر جوانب عميقة من الحياة بألوانها واشكالها المتباعدة والمتقاربة في نفس الوقت، ولكن في حدود ما تسمح به السينما، بحيت

لايتحول الفيلم إلى لون من التأمل الفكري والفلسفي الذهني المعتمد علئ اللغة .. بما لا تستطيع الشخصيات أن تحمله معها وأن تعبر به عن مواقفها في الحياة وباتجاه بعضها.

لقد حاول الفيلم، من خلال السيناريو أن يضع خلفية لوقائعه، ونقصد بذلك خلفية تاريخية حقيقية، حتئ لا تذهب الغرابة المتخيلة بكل شيء ويصبح الفيلم أقرب إلى نوعية الخيال العلمي. وكان يمكنه أن يكون كذلك.

إن المرجعية الواقعية التاريخية قد اكسبت الفيلم قوة وجعلت شخصية بنجامين مجرد شخصية بشرية من لحم ودم، ليست أسطورة أو علامة اعجاز لها بعدها الديني، فمن خلال الأحدات سوف نرى احتفالا بانتهاء الحرب العالمية الأولئ وصخبا وحرك غير عادية. ومع عودة للجنود من الجبهات العسكرية ..من هؤلاء بوتون الأب.. الذي يريد أن يلتحق بزوجته لكي يطمئن علئ وليده الجديد . لكن عندما يصل المنزل، يجد زوجته علئ وشك الموت، لتوصيه خيرا بالطفل، بحيت يكون له مكان علئ الأرض… وبمجرد موتها نراه يهرع بالطفل إلى الشارع بغيةالتخلص منه.. ويكاد يلقيه في النهر لولا وجود أحد رجال التنرطة عرضا. ولذلك يتجه به نحو مكان أخر وهو عتبات منزل شبه معزولبه جلبة.. ليضعه هناك ومعه بعض النقود ليضمن علئ الآفل وجود من يعطف عليه.

إن الطفل الوليد يمكن اعتباره مشوها من حيت الشكل لكنه فعليا ليس كذلك، فهو كبير السن .. 86 سنة … عند ولادته وبه تجاعيد كنيرة وضحكته واضحة ويمكن لأهل النقد والتأويل أن يدركوا أن انتهاء الحرب العالمية ظاهري فقط.

ويبدو أمرا حسنا ..لكنها فعليا تترك وراءها الألم وها هو الطفل الشيخ يولد من رحم الحرب. ولد كبيرا بفعل الأهوال ليتدرج في الصغر كلما ابتعد عن مصائبها. إن بنجامين هو من نتاج حرب مثلما حدث مع طفل (طبل الصفيح) للكاتب الالماني غونترغراس.

تجد خادمة منزل المتقاعدين (الزوجة السمراء) كويني الوليد بنجامين وحيدا وتقبل به طفلا . هدية الرب لامرأة عاقر.. ويقبل به النزلاء في المنزل علئ مضض وأحيانا بلا مبالاة، وهم يدركون وكما أبلغهم الطبيب أن أيام الطفل معدودة، فهو يعاني من هشاشة العظام وقد ولد أعمى بسبب المياه الزرقاء في العيننين.

رغم ذلك فقد عاش بنجامين،بسلوكه الوديع فهوهادئ الطباع لا يكاد يشبه الأطفال وهو يلبس النظارات الطبية ويخلو رأسه من الشعر ولا يستطيع الحركة علئ قدميه ويستخدم كرسيه المتحرك. أيضا تعلم القراءة والكتابة وعلمته احدى نزيلات منزل المتقاعدين الموسيقئ.

لقد دخل بنجامين في بعض التجارب البسيطة ومن ذلك تجؤله في المدينة برفقة قزم تعرف عليه، واعتبار تلك الجولة مدخلا لعالم الحرية بالنسبة إليه.

و بالنسبة إلى الفتاة الصغيرة (ديزي) فجدتها تسكن البيت..تعرف علبها وصار بينها وبين بنجامين تواصل ولقد اعترف بنجامين بأنه قد أحبها منذ صغرها. كما أن جدتها كانت تقرأ لهما قصصا تسرد من كتاب للأطفال.

أما كويني فقد ذهبت إلى الواعظ الديني لتزيل عقمها، وهي تعرض حالة بنجامين علئ الواعظ الذي يسرع في أوامره ونداءاته الغريبة لغرض أن ينطلق بنجامين علئ قديمه.. وفعلا تم ذلك ولكن يكون القربان هو الواعظ نفسه الذي يموت إنر ذلك، وفي الحقيقة لا يركز الفيلم علئ هذه النقطة ولا يجعل من بنجامين صورة غرائبية بالمفهوم الديني، ولكن يمضي به نحو الواقع ويجعله يدرك بأنه ومع مرور الأيام يتدرج في نموه نحو الصغر فتزداد قوته ويتحس شكله كله، ولكن أحيانا يموت بعض الناس من حوله ويدرك بالتالي أن حياته مختلفة.

إذا عدنا إلى بداية الفيلم، وجدنا أن المدخل يقود إلى وجه امرأة عجوز قعيدة سرير المرض والموت في المستتنفئ. وهي نفسها (ديزي) وقد جلست بقربها ابنتها كارولين.

ورغم ان العلاقة تبدومتوترة بين الأم وابنتها إلا أن الأم تشير الى مفكرة بعيدة فتتناولها الابنة وتشرع في قراءتها حسب طلب الأم. وهذه المفكرة تحتوي علئ كتابه وصور وتخطيطات، لنعرف بأننا ازاء قراءة لمذكرات بنجامين، مع تعليقات متداخلة من قبل الأم (ديزى) وهكذا يسير الفيلم من البداية إلى النهاية. أما خارج المستشفئ فإن العاصفة الشديدة تضرب بقوة (اعصار كاترينا 2005 بنيو او رليانز وتظهر بعض الاشارات لذلك من خلال صوت العاصفة وتأثيرها علئ نافذة الغرفة.

بهذه الطريقة في السرد يمكننا أن تنذكر الفيلم الشهير (تايتنيك) عندما تسرد العجوز ما حد~ث لها ومن وجهة نظرها، وفي خط رومانسي يحاول هذا الفيلم أن يعيده من جديد ولو جزئيا، كما تذكرنا قصة الفيلم بأنها قريبة جزئيا من فيلم معروف وهو (فورست غامب)

هنا لا تعلم (ديزى) بكل التفاصيل ولذلك اعتمد الفيلم علئ مذكرات خاصة لبنجامين تقرأهاالابنه وتعلق الام عليها بين الحين والآخر.

عندما يبلغ بنجامين سن القدرة علئ الحركة والاعتماد علئ النفس يغادرا لمكان الذي اعتاد عليه ويلتحق بزورق للصيد يديره كابتن (مايك) ليعمل فيه عملا خفيفا ليس إلا. ولكن صداقة تنعقد بينه وبين هذا الكا بتن الذي يدخله إلن عوالم جديدة لا يعرفها ..ومن ذلك أن يتعرف علئ النساء في ماخور يرتاده البحارة. ثم يتعرف علئ والده بوتون اد يعرفه والده من بعيد ويحاول الاقتراب منه لمعرفة ما حدث له. ثم بعد فترة معينة يعترف له والده بكل القصة ويكتب له عقدا بالتنازل عن مصنع يملكه.

من الوقائع التي يستند إليها الفيلم باعتبارها خلفية تاريخية ضرب

اليابانيين لميناء بيرل هاربر تم دخول الكا بتن مايك الحرب للمساعدة وعمله علئ اغراق احدى السفن اليابانية والفيلم يصوركل ذلك من وجهة نظر واحدة، وبطريقة سريعة لربط الواقعي بالمتخيل.

وهنا علينا أن تنذكر أن في بداية الفيلم تسرد العجوزدأيزى قصة صانع الساعات الأعمئ والذي فقد ابنه في الحرب فصنع لذلك ساعة ضخمة، علقت بالمحطة الرئيسية بنيويورك وقد كشف عن هذه الساعة في احتفال كبير وبحضور الرئيس الأمريكي (روزفلت). ولقد أعلن صاحبها أنها ساعة تسير عقاربها إلى الوراء لكي يأمل كل من فقد شخصا ما بأنه يمكن للزمن أن يعود وبالتالي لا يذهب الضحايا إلى الحرب فلا يتم فقدانهم.

لقد استخدم الفيلم طريقة ارجاع المتناهد إلى الخلف فعليا للتعبير عن ذلك، وبأسلوب مبتكر له جاذبية تنعكس علئ فكرة ارجاع الزمن والتي كان ميلاد بنجامين جزءا منها فهو لا يسير إلى الأمام ولكنه يعود إلى الوراء.

إن فكرة ولادة بنجامين بهذه الطريقة وحياته المختلفة عن الآخرين تعكس شعورا بالألم من الحرب.. وأمنيه بأن يرتد الزمن إلى الخلف لتجنب مصائب الحرب العالمية الأولئ، وما هذا الطفل الوليد إلا رمزا لهدة الامنية.

يسعئ الفيلم من خلال سيناريو محكم إلى الاتصاق بالواقع فعليا بتقديمه للقصة الجانبية الحقيقية قصة

الساعة الفعلية رغم أن صانعهاقد اختفي بعد ذلك نهائيا.

إن الساعة هي صورة مشا بهة لحالة بنجامين نفسها.

ومن جانب أخر تكثر في الفيلم تفاصيل جانبية كنيرة وقصص فرعية

لايمكن أن نقول عنها بأنها جميعا ترفد سياق الفيلم، لكنها تنويعات تضيف أبعادا جوهرية وتجعل التسلسل لا يسير نحو غاية معينة أو نهاية محددة مهمة، فلا شك في أن وفاة بنجامين في النهاية عندما يصل إلن مرحلة الطفولة مسألة واضحة وليست نهاية مفاجئةولذلك كان لجوء الفيلم إلى الدوران والتطور بالعرض وليس بالطول. إن الغاية غير متمثلة في النهاية

التي يصل إليها الفيلم، ولكن في تقديم الزركشة والاكثار من التفريعات ذات الدلالة في المعنى داخل سياق الفيلم أو خارجه.

سوف نجد شخصيات كثيرة علئ هامش القصة الرئيسية، ومن ذلك مثلا ما ذكرنا، من قصة صانع الساعة الأعمئ. وكذلك قصة الكا بتن الذي صار صديقا لبنجامين ومات بعد ذلك وتحولت ملكية الزورق إلن بنجامين نفسه. إن الكا بتن مايك يتحدث عن نفسه باعتباره فنانا ظل الطريق في البحر وعلى جسده توجد وسومات كثيرة تشيرإالى ذلك وهو يفتخر بهذا الوشم ويعرضه للجميع.

هناك شخصية أخرى جانبية من البحارة تتعامل باستمرار مع الشا عرشكسبير وهناك رجل يسكن مع بنجامين في بيت المسنين يقول ويكرر باستمرار بأنه قد صعق سبع مرات بالبرق، وفي كل مرة نرى من قوله شدرات

هناك مطربة الاوبرا التي تموت فيدرك بنجامين معنن المو ت ا ثر ذلك. والأهم بالطبع شخصية (اليزابيت) وهي شخصية اضافية، مر بها بنجامين عندمأ

كان ينتقل بالزورق فلقد تعرف عليها في فندق صغير ووجدها زوجة لدبلوماسي تعاني الفراغ القاتل، وكان مفتاح العلاقة هو الكلام اليومي وفي الليل عندما تهدأ الحركة.. عن طريقها تعرف علئ الأكل الرفيع منل الكافيار منلا وصارت مع تكرار اللقاء عشيقة لكنها كانت مجرد لحظة برق خاطف، غابت علئ الفور وهذا الأمر يتكرر مع بنجامين دائماحيث كل ا اشخصيات التي يلتقي بها مؤقتة تمر به أو يمر بها ويكون بينهما فراغ طبيعي تعكسه طبيعة تكوينه ونوعية حياته العكسية.

أيضا هناك حالة من الفشل والخيبة تسيطر علئ الشخصيات التي يلتقي بها بنجامين ولو بشكل مؤقت فهذه اليزا بيت منلا تحكي أنها قد حاولت عبور (المانش) سباحة ولكنها فشلت وهي بعد صغيرة السن.

إنها نفس المرأة التي يشاهدها بنجامين على شاشة التلفزيون عندما عاش مع ديزى لفترة ما في البيت الريفي يشاهدها وقد عبرت بحر الما نش وقد بلغت من العمر أكنر من ستين عاما، إذ لا مكان لعمر معين في تحقيق الأمنيات والغايات وخصوصا إذا كانت رؤيتنا للزمن نسبية.

يتعهد بنجامين بارسال صور الأمكنة التي يزورها إلى د أيزى وبالفعل تتجمع الصور لتضاف إلى المذكرات. تم يعود ويزورد أيزى في باريس حيث تعمل في فرقة رقص الباليه بعد أن تدربت فيه طويلا، ورغم أن حياتها بوهيمية وعلاقاتها العاطفية مشتابكة ومتعددة إلا أنها تنظر إلى بنجامين نظرة خاصة، وفوق ذلك فالعلاقة الرومانسية التي قدمها الفيلم، بها بعض لحظات الضعف، فلا أحد من التنخصيتين مخلص للآخر، بنجامين يزور الفتيات في باريس انر لقائه السلبي مع دأيزى، وهي تعيش حياتها أيضا مع أكنر من راقص.

رغم ذلك فإن العلاقة بينهما تنمو وتكون تمرة العلاقة طفلا صغيرا هو الفتاة التي تقرأ المذكرات (كارولين).

تموت كويني الأم المربية ويرحل الأب الفعلي ولا يجد بنجامين أمامه إلا الرحيل أيضا إذ لا يمكن لديز ى أن تربي طفلتها وترعاه هو أيضا وخصوص او أنة في الطريق إلى أن يصبح طفلا. يرحل بنجامين تاركا ابنته وتارك اديزى وحيدة لتتزوج برجل أخر ينتظرها. يزورهابنجامين بعد ذلك مرة واحدةويرحل. إن لحظات الغياب أطول من لحظات الحضور.

بعد سنوات يتم العنور علئ بنجامين صغيرا يكاد يكون فاقدا للذاكرة، به أمراض كنيرة ويبقى في نفس بيت المسنين ترعاه دأيزىمثل الام بعد أن كانت حبيبة وعشيقة إلى حين وفاته.

خارج غرفة المستتنفئ حيت ينتظر دأيزى أن تموت في أية لحظة، هناك اعصار تتصاعد خطورته باستمرار ويهدد بفيضان كاسح جماعي هذه المرة وليس فرديا. إن الموت هو النهاية الحقيقية لكل شيء مهما كانت نوعية البداية، ورغم ذلك فإن الطائر الصغير (الطنان) يحوم حول زجاج النافذة، إنه نفس الطاائر الذي يظهر بين الحين والآخر، والذي كانت وسوماته تملأ جسد القبطان مايك وهورمز للبقاء والتجدد والحياة، ورغم قسوة الموت التي تحاصر الأفراد فإن اعصار كاترينا 2005 هو مرجعية واقعية أخرى للفيلم.

لقد اعتمد الفيلم علئ عدد من الشخصيات، وكان للممثلين الدور المهم في انجاحه وعلئ رأس هؤلاء الممثل (برآد بيت) في دور مختلف تماما فيه اعتماد علئ التقنية الحديثة. لكن كان للحضور الشخصي الأهمية القصوى في ربط الجمهور بهذه الشخصية وحالتهأ الغريبة. وهو استمرار لدور الممثل في (بابل ‏) وكذلك في فيلم (أدى القتال) وفيلم (اغتيال حبيبي جيس وبشيء من الاختلاف (الحرق بعد القراءة 2008 ‏) أما الممثلة المقابلة في الدور فهي كيت بلانشيت التي اشتهرت بدورها في فيلم (ملاحظات حول فضيحة) 2006 وفيلم الطيار 2005 وفيلم بابل 2006 والفيلم الأهم اليزا بيت ( 200 وكذلك سجائر قهوة 2005 ‏.

رغم صغر دورها وعدم حكريته إلا أن (جوليا ارومند) قد حافظت علئ الهدوء المطلوب منها وكبتت انفعالاتها قدر الامكان وخصوصا أن البرودة هي الجو العام الملائم لحركة الشخصيات، وطابع البرود هو طابع الشخصية الرئيسية. فهو يترك الأمور تسير بحسب مقتضياتها دون إلحاج أو اندفاع أو حماس مبالغ فيه. وهي تمثل حالة استمرار لهذه الشخصية (آبنته).

لقد اختفت هذه الممثلة قليلا منذ (امبراطورية انلاند 2006 ‏) لكنها عادت في فيلم (تشي، الجزء الأول والجزء الثاني) وهي تؤكد وجودها بهذا الدور بعد دورها فى فيلم الحجاب.

تبقى بعد ذلك الممثلة الرائعة(تيلدا سوينتون) وكان دورها من أقصر الأدوار إلا أن حضورها قد اكسب الفيلم عمقا واضحا، عمل السيناريو علئ تأكيده بتكرار المعااني المختلفةوتوزيع عدد من الشخصيات بين الحين والآخر.

أما المخرج ديفيد فيشر فهو صاحب التجربة اللافتة للانتباه بداية من فيلم (نادى القتال 1999 ‏) وفيلم (اللعبة ( 1997 ‏) وفيلم (الغريب 1992 ‏) والفيلم الأهم (سبعة 1995 ‏) ثم (غرفة الرعب 2002 ‏) وآخر أفلامه زوداياك ( 2000 ‏) وهو يعلو بأفلامه الى آفاق بعيدة مهما كان الموضوع.الدى يتناوله

كما قلنا الفيلم مليء بالتفاصيل والشخصيات والجزئيات ونجاحه هو جزء من حضور هذه الكثرة المتداخلة، والتي نجح السيناريو في ادماجها بطريقة واحدة، وكانت النتيجة فيلما للتأمل والبحث المستمر عن أوجه التداخل والتباعد بين مسائل الموت والحياة، بصرف النظر عن معرفتنا أو عدم معرفتنا بنوعية البدايات والنهايات.