الأربعاء، 22 يونيو، 2016

الفنان علي ماهر: حالة خاصة



حوار مع الفنان علي ماهر
اعداد  رمضان سليم

الفنان علي ماهر: حالة خاصة

ليس هناك اختلاف كبير في وجهات النظر حول إبداعات الموسيقار علي ماهر ، فهو أحد أهم المجددين على مستوى التلحين في ليبيا وأعماله الكثيرة والمتنوعة تشهد بذلك .
اختلف الفنان علي ماهر عن الذين سبقوه ، فهو القادم إلى عالم الموسيقى ، معتمدا على خلفية موسيقية أساسها الجانب الأكاديمي من ناحية وعلى التراث الموسيقي في ليبيا وكذلك على الإضافات التي قدمها الملحنون في المشرق العربي ومغربه من ناحية أخرى، فهو بذلك قد تشكل وفق نسيج وخليط جامع بين الموسيقى المحلية والشرقية، ولقد أنعكس ذلك ولا شك في تنوع ألحانه على مستوى اختيار الجملة اللحنية وتعدد ألوان الغناء لديه والقيمة الفنية العالمية لكل ما قدمه  للمطربين في ليبيا وخارجها .

التقت مجموعة من أصدقاء دار حسن الفقيه وهم إبراهيم حميدان ومفتاح قناو ورمضان سليم مع هذا الفنان في بيته وتم تسجيل حوار مطول معه حول تجربته الفنية ولقد اخترنا من هذا الحوار بعض الأسئلة والإجابات وفق الآتي :
س1 : نرحب بالفنان علي ماهر ونطرح عليه السؤال التقليدي حول بداياته الفنية وكيف جاء إلى عالم التلحين والموسيقا؟
ج1 : نشكركم في البداية ونرحب بكم وأقول بأن مكان ولادتي مدينة طرابلس عام 1945م ، والدراسة الأولى كانت بمدرسة المدينة القديمة ، ثم ثانوية طرابلس ، يلي ذلك جامعة بنغازي – كلية الاقتصاد والتجارة .
بعد التخرج عملت سنة بمصرف ليبيا المركزي 1966م ، ثم انتقلت إلى قسم الموسيقا بالإذاعة الليبية .
من ناحية أخرى كانت لي اهتمامات فنية منذ الصغر وانتسبت في فترة معينة إلى الكشافة الليبية برعاية المرحوم علي خليفة الزائدي ومارست الرسم والتمثيل . وكذلك غناء الأهازيج وكان معي عبدالرحمن قنيوة. ومن ناحية دراسية، وخلال الدراسة بجامعة بنغازي ، تعلمت الموسيقا في الفترة المسائية على يد الأستاذ خليل بكري .
في قسم الموسيقا بطرابلس اجتزت امتحان القبول عازفاً وملحنا وقدمت أول أغنية وهي ( طوالي) عام 1967م ، يلي ذلك أغنية (بلد الطيوب) وأيضا أوبريت (هند ومنصور) عام 1971م. وبعد ذلك سافرت إلى القاهرة لدراسة الموسيقا والمسرح ونلت بكالوريوس التخصص وكذلك دبلوم دراسات عليا وعدت عام 1977م على أمل أن تقدم أعمالي في المسرح الغنائي ، ولكن ذلك لم يتحقق !
س2 : من أهم الموسيقيين الذين تأثرت بهم ؟ وما هي المؤثرات الفنية بشكل عام ؟
ج2 : تأثرت بكل الكبار في الغناء العربي" محمد عبدالوهاب وأم كلثوم ورياض السنباطي وفيروز  في لبنان ، أيضا التراث الليبي المحلي ولقد أكملت الدراسة الموهبة والاستعداد .
س3 : كيف جاءت الأغنية الأولى(طوالي) وكيف كان استقبال الجمهور لها ؟
ج3 : في عام 1967م كان هناك تنافس بين الملحنين والمطربين ، ولقد قدم وحيد خالد أغنية مع خالد سعيد وهي (يا قمر علالي) وفكرت أنا والكاتب الغنائي مسعود القبلاوي في تقديم ما هو جديد وفي نفس الوقت قريب إلى الناس .
لم يكن الموضوع مطروحا حينها ولكن جاءت الأغنية تعبيرا عن الحنين إلى الوطن والإحساس بالغربة . وبعد جلسات طويلة قدمنا هذه الأغنية ، وكان فيها تجديد في الكلمة واللحن  وتنوع في الكوبليهات ، بل يمكن القول بأنها أغنية خارج الروتين التقليدي وخارج القالب المتعارف عليه ، فهي قد سلكت طريقا غير مسبوق ، وكان لها أصداء واسعة في الصحافة وعند الجمهور ، ومما أذكره أنه كان هناك برنامج إذاعي اسمه "سهرة الخميس" ، حول الأعمال الغنائية الجديدة وشغلت الأغنية هذا البرنامج بالكامل ، والمهم أنها وصلت إلى كل الفئات ، بل وصلت إلى تونس بعد ذلك وانتشرت .


س4 : ما هي قصة أغنية (بلد الطيوب) ؟
ج4 : كما كانت أغنية (طوالي) هي نوع من أنواع التحدي ، كذلك الأمر بالنسبة لأغنية ( بلد الطيوب) فهي تحدي من نوع آخر ، وكان من الصعب أن تستمر ملحنا ، ما لم تقدم الجديد بعد نجاح (طوالي) .
وجدت قصيدة (بلد الطيوب) للشاعر علي صدقي عبدالقادر في أحد دواوينه – هناك من يرى بأنها نشرت في مطبوعة معينة ولم تنشر في ديوان – ولقد تعاونت مع الشاعر في قصيدة أخرى وهي (كم اشتهي) وهي من ديوان (قرط أمي) وفي الحقيقة لم تكن للأغنية أية خلفية سياسية ، بل كانت أغنية وطنية تستعرض حب الوطن في شكل جميل وأظن أن اختيار المطرب محمود كريم كان موفقا أيضا ، فهو أحد الأصدقاء وقد عرف من خلال برنامج ركن الهواة المسموع للراحل كاظم نديم .
ولقد كانت هناك فكرة أن يغني الأغنية المطرب المغربي عبدالهادي بلخياط ولكني وجدت أن الأغنية ليبية وينبغي أن يغنيها مطرب من ليبيا ، ومما أذكره عن هذه الأغنية أن الراحل حسن عريبي قد اعترض على استعمال "شطر" (يا ليل يا لالي) باعتبار إن ذلك له علاقة بالمالوف والموشحات ، وقد تدخل حينذاك الراحل خليفة التليسي والذي كان وزيرا للإعلام من أجل تسوية الخلاف وبالفعل انتهى الأمر بعد أن استمع إلى إحدى بروفات الأغنية .
وبالطبع كان استقبال الجمهور كبيرا ، فهي أغنية سلسة وفاق نجاحها ، أغنية ( طوالي) ، حتى صارت حديث الساعة .
أقول ..... إن القصيدة كما نعرفها ، لها قالب تقليدي يمكن اعتباره صعب ولا يستوعبه إلا مهتم .
قصيدة (بلد الطيوب) خرجت عن القالب التقليدي المتعارف عليه ، وقدمت بطريقة جديدة حتى نشعر وكأنها أغنية عادية أو شعبية .
سجلت الأغنية مرة واحدة ، وأذيعت في حفلات غنائية كثيرة ، وفي بعض الأحيان يطالب الجمهور بإعادتها عدة مرات في الحفلة الواحدة .
احتفظت الأغنية بنجاحها وبعد 1969م سارت الأمور في البداية على نفس الوتيرة وظلت الأغنية تذاع بشكل عادي ، ولكن بعد سنوات تم إيقاف (بلد الطيوب) والحجة أن الأغنية لها طبيعة إقليمية ، أو هكذا كان الإدعاء ، وخصوصا إن الاتجاه العام كان قوميا والاحتفاء بأغاني الوحدة العربية هو الأساس والحقيقة إن الأغنية كانت وطنية تتغنى بليبيا بطريقة عاطفية هادئة .
المنع امتد إلى أغنية أخرى وهي أغنية (تعيشي يا بلدي) وهي أيضا للمطرب الراحل محمود كريم ، وقد قيل وقتها إن الأغنية حزينة يمكن تشبيهها بمن يبكي فقدان أسرته .
أيضا هناك أغنية تم الاعتراض عليها وهي أغنية ( كل شيء تغير يا حمام حتى ضحكة جارنا) والسبب المعنى الذي تم تأويله بعدة تفسيرات سياسية .
س5 : ما هي أفضل الأغاني التي لحنتها بالنسبة إليك ، ومن أهم أفضل المطربين ؟
ج5 : الأغاني كثيرة ، ولكن (طوالي) ثم ( بلد الطيوب) و(سلامي قله) و(قناعك) و(غني لي الليلة) ..أما المطربين فهم كثر مثل : محمود كريم – محمد رشيد – محمد السيليني – ومن العرب : وديع الصافي – عبدالهادي بلخياط – ميادة الحناوي – وعُليا – وغير ذلك من الأسماء .
س6 : نسألك عن بعض الأغاني .. مثل (سلامي قِله – أم الظفاير – صباح الخير يا عبدالله)؟
ج6 : (سلامي قِله) أغنية عن البحر وغناها محمد رشيد والكلمات لأحمد الحريري وتتغنى بالبحر والبحارة ، ولقد قدم الراحل كاظم نديم أغنية أخرى جيدة عن البحر وهي أغنية (على الموجة عايشين سهارا) من كلمات أحمد الحريري، ومن الطبيعي أن يقود التنافس النبيل إلى تقديم أعمال جيدة ، أما أغنية (أم الظفاير) فقد كانت أقرب إلى التحدي ، وهي تجربة مهمة حاولت فيها أن أرد على من يقول بأن اتجاه علي ماهر شرقي ، ولذلك قدمت هذه الأغنية وغناها محمد السيليني وظهرت في فترة مبكرة وبعدها تم إنتاج عدد من الأغاني في نفس النوع .
أما أغنية ( أرحميني) لعبدالهادي بلخياط عام 1973م ، فقد كانت كلاسيكية إلى حد ما ولكن فيها تجديد أيضا في القالب ، فهي سهلة وإيقاعها مقبول وهذا ينطبق أيضا على أغنية (غني لي الليلة) والتي كتبها الدكتور علي فهمي خشيم .
وهكذا جاءت الكثير من الأغاني نتيجة تحدي من الداخل أو الخارج .
أغنية (صباح الخير) وهي جزء من مجموعة أغاني الصباح وقد لحنت معظمها وأنا في مصر ولذلك غنيت بعضها بنفسي والسبب إن الإذاعة الليبية في فترة معينة طلبت أغاني تقدم في الفترة الصباحية واستجبنا إلى ذلك وقدمت بعض الأغاني .
س7: نلحظ أن الفنان علي ماهر بعيد نسبيا عن الإعلام ... ما هي الأسباب ؟
ج7 : الأسباب كثيرة ... ذلك أن الفنان لا ينبغي له أن يجري وراء وسائل الإعلام ، بل أن وسائل الإعلام هي التي تبحث عنه ، لأن القضية ليست مجرد قضية ظهور ، وخصوصا إن من يقدم البرنامج يبحث عن شخص معين لغرض تسجيل زمن معين ثم إذاعته للحصول على مبلغ معين ، فهو لا يهتم بالمحتوى فعليا .
أيضا عشنا مرحلة طويلة في السابق كان هناك فيها سعي لمحاربة الفنان باسم محاربة النجومية ، بل كان هناك تدخل لإفساد علاقة الفنان بالآخرين ، وخصوصا من الوسط الفني ليتم ضرب علاقات الفنان الخارجية .
كان هناك اتجاه إلى الأغنية البدوية لتكون مسيطرة ، واتجاه إلى الأغاني التي تتغنى بالفرد وهذا كله يبعد الفنان عن الإعلام ، ومن حسن حظي إنني لم أستلم أية جائزة من الدولة ولا أظن إن في ذلك خسارة ، فذلك أفضل والتكريم الحقيقي ممن يقدرون الفن والجهد وليس مجرد التكريم السياسي .
أخيرا شكرنا الفنان علي ماهر على هذا اللقاء مع أملنا أن يتجدد الأمل مع أعمال جديدة يضيفها إلى مكتبة الأغنية الليبية .




الأحد، 22 مايو، 2016




علي ماهر .. من نجاح إلى آخر
رمضان سليم
عندما جاء الفنان علي ماهر إلى الساحة الغنائية في ليبيا في أواخر الستينيات ، كانت الأغنية الليبية قد شقت لنفسها اتجاها متميزا لدى المستمع ، وربما حضورا أساسيا في المجتمع ، رغم أن الأغنية الشرقية هي التي كانت مسيطرة على المنطقة العربية إجمالا ، من خلال حضور فرسان الغناء من أمثال محمد عبدالوهاب وفريد الأطرش ورياض السنباطي ومن كان قبلهم ومن جاء بعدهم من أمثال عبدالحليم وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة ومحرم فؤاد وغيرهم .
رغم هذه الأجواء الشرقية الواضحة بحضور إسمهان وليلى مراد وسيد درويش وبصورة خاصة أم كلثوم رغم ذلك فقد فرضت أسماء ليبية كثيرة نفسها في مجال الموسيقا والغناء ، ومن منا لا يذكر أسماء مثل فؤاد الكعبازي ومحمد مرشان وبشير فحيمة ، وبعد ذلك محمد رشيد وعبداللطيف حويل ومحمد صدقي وغيرهم . وبالطبع تبقى الألحان الطرابلسية وألحان التراث الليبي من الشرق والجنوب والموشحات والأذكار ونوبات المالوف المصدر الملهم المسيطر على ساحة الغناء في ليبيا .
الفنان علي ماهر قدم إلى الموسيقا والغناء في ليبيا والأغنية الليبية مقترنة بطابعها المحلي القريب إلى المستمع بصورة متطورة أو بصورة تقليدية شعبية واضحة المعالم . 
بصرف النظر عن نوعية المؤثر الفني ، المحلية الليبية أو الشرقية المتنوعة ، فمن الواضح أن الفنان علي ماهر قد أضاف ما هو جديد ومختلف إلى الأغنية الليبية ، وبالطبع من مهام الباحثين وضع هذا الجديد تحت الأضواء لمعرفة نوعه وتحديد تفسيراته ودراسة مظاهر هذا التجديد ، رغم أن هناك بعض المجددين غيره ، إلا أن إنتاج علي ماهر الغنائي والموسيقي قد رسم  معالم التجديد بشكل واضح من الصعب الاختلاف حولها .


وأظن أن الأغنية الليبية قد كانت على حال معين ، وتحولت عند علي ماهر إلى حال آخر ، من حيث نوع وطبيعة اللحن بالدرجة الأولى .
ذلك يرتبط من ناحية أخرى مع اختلاف شعراء الأغنية الليبية ، فقد بدت بوادر التجديد في كلماتها مع عدد من الشعراء الجدد الذين أهملوا بعض الكلمات القديمة والصور المألوفة ، بحثا عن المغاير بحسب التطور الاجتماعي في المجتمع الليبي المرتبط بتطور المدينة ، وحضور الكيان السياسي ومتغيرات ما بعد مرحلة النفط ، وحضور التعليم والمؤثر الثقافي والذي نراه مؤثرا شرقيا ، ليس في مجال الأغنية ولكن في أنواع أخرى أشهرها وأوضحها الأغنية ....
قدمت أغنية (طوالي)عام 1968م وكانت أول أغنية من ألحان علي ماهر، وقد كتب كلماتها مسعود القبلاوي وهو شاعر غنائي ، يمكن القول بأنه يجمع بين التقليدية النابعة من الشعر الشعبي ومتطلبات الأغنية الحديثة القابلة للتلحين اعتمادا على جزالة الألفاظ ومرونة الكلمات ، وكل ذلك قد أسهم في تشكيل تعاون مشترك بين الشاعر والملحن من أجل تقديم ما هو جديد ومتميز ومختلف وناجح أيضا .

لقد جاءت ( طوالي) جامعة بين سمات وخصائص الأغنية الليبية من ناحية والنغم الشرقي من ناحية أخرى . وقد وقع الاختيار على مطرب جديد برز من ركن الهواة الذي كان يعده الفنان كاظم نديم ، وكما يقول الفنان علي ماهر ، فإن نجاح أغنية ( يا قمر علالي) للملحن وحيد خالد كان حافزا لنا للبحث عن النجاح بطريقة أخرى ، وبذلك ولدت (طوالي) .
تبدو أغنية طوالي وكأنها عاطفية ، بل هي كذلك رغم أنها تجمع بين الحنين إلى الوطن وأحضان الأسرة بكامل أفرادها ، مع شوق إلى ذكريات الطفولة ، وبذلك تصبح (طوالي) أغنية وطنية عاطفية في نفس الوقت رغم أن موضوع الهجرة والعودة غير مطروح إلا من باب التجديد .
من الناحية الفنية اعتمدت (طوالي) على تنوّع في الكوبليهات وبدون مجموعة صوتية تكرر المطلع ، فهي أغنية فردية لها خط تصاعدي تبدأ من نقطة معينة وتنتهي بأخرى في نهاية المطاف .
على نفس السياق جاءت الأغنية الثانية (بلد الطيوب) عام 1968م ، فهي أغنية جديدة ، سهلة وبسيطة يمكن حفظها بسبب اللحن والكلمة ، رغم أنها قصيدة كلاسيكية للشاعر علي صدقي عبدالقادر ونشرت في أحد المطبوعات السيارة ، إلا إنها أغنية عاطفية وطنية ، وسارت على نفس المنوال ، أغنية فردية بدون كورس أو مقدمة تتكرر، بل يبلغ التصاعد منتهاه باستخدام تواشيح  الغناء والآهات المتصاعدة في نهاية الأغنية ، فهي أغنية حالات وليست مقاطع.
وبذلك صارت القصيدة مجرد أغنية قريبة من المستمع .

تتوالى الأغاني بعد ذلك وظل النزوع نحو التزاوج بين المحلية الليبية والنغمة الشرقية قائما، بل هو الملمح الرئيسي في التجديد عند علي ماهر، رغم إنه قدم ألحان أخرى مختلفة مثل (أم الضفاير) ذات الطابع الشعبي ، ولكن هناك شيء إضافي يشعر به المستمع وهو إضافة الملحن حتى لا يقع اللحن أسير الموروث الشعبي فقط ويذوب فيه ولكن اللحن يتجاوز الموروث ويصبح ملمحا واضح الأبعاد يقول بأن هناك ملحن يقف وراء اللحن وهذا الملحن يرتبط بالنزعة الشرقية الغنائية كما كان الأمر .
الأقرب أن نقول بأن علي ماهر هو ابن المدينة الذي يقدم الحان المدينة الجديدة والتي نشأت فعليا في بداية الستينيات مع الطفرة النفطية وطابع الحداثة النسبي الذي هيمن ولو شكليا على إطار المدينة ، ولكن ابن المدينة  اعتمد على التراث المسموع أيضا باختلاف أنواعه وكانت الصياغة النهائية مركبّة.
بهذه الطريقة اقترب علي ماهر من بعض الملحنين في ليبيا مثل كاظم نديم وعبدالجليل خالد وأشرف فهمي ووحيد خالد وتتميز بالمستوى الرفيع حيث يتصور المستمع أنه من الممكن سماع الأغنية بلحن آخر ولا شك أن تماسك الأغنية هو الذي يضيف إليها قوة ، بحيث تقبل من المستمع العربي عموما وليس المستمع الليبي فقط .
سوف يستمر علي ماهر في مجال التجديد ويقدم أعمالا جيدة مع محمود كريم وخالد سعيد ومحمد السيليني وراسم فخري ولطفي العارف وغيرهم ولا أظن أن هناك امتياز لكلمات الأغاني التي قدمها إلا عندما يرتبط الأمر مع كلاسيكية مسعود القبلاوي وتجديد احمد الحريري وعبدالسلام خزام وبعض كلمات القصائد الأخرى ، ذلك أن كلمات الأغاني ظلت على نفس المنوال السابق وليس لها أية مزية في قيمة ومستوى ألحان علي ماهر . 

أما الأصوات فقد أسهمت في نجاح الأغنية وخصوصا الأصوات المختارة بعناية ، ليبية أولا ثم عربية بعد ذلك . رغم الأصوات العربية لم تضف الكثير لألحان علي ماهر .
في مجال الأوبريت الغنائي قدمّ علي ماهر مبكرا أوبريت (هند ومنصور) ثم درس مجال الموسيقى والمسرح في مصر أكاديميا ، وكان ينوي أن يستمر في التجربة ، ولكن  قلة الإنتاج وصعوبته حالت دون ذلك .
الأمر اختلف بالنسبة للأغنية ولا سيما القصيدة التي حققت على يديه نجاحات جيدة ، وخصوصا التعاون المشترك مع المطرب محمود كريم في قصائد مثل (كم اشتهي) وقصيدة (قناعك) ، وبعض الأغاني الأخرى مثل (أقبل الصبح) وأغنية (ربيع الخاطر) وأغنية (تعيشي يا بلدي) وبشكل عام لا يستخدم الكورس في مثل هذه الأغنية ، وعندما يستخدم – الملحن- المجموعة الصوتية نجد أن الأغنية أو القصيدة لا تعتمد على الوحدة العضوية في اللحن بل مجموعة من التركيبات المتناثرة موتيفات، وأظن أن التجربة مع الأصوات الليبية تبقى هي الأفضل والأنجح .
لا أميل كثيرا إلى تجربة علي ماهر مع المطرب المغربي عبدالهادي بلخياط ، رغم أن الجهد في تلحين القصائد كان كبيرا ومتميزا ، ورغم نجاح هذه الأغاني في ليبيا والمغرب ، والسبب يعود إلى أن المستمع يشعر وكأنه أمام تفاصيل مجزئة ولا تكاد تتضح فكرة وحدة الأغنية التي اعتادها المستمع للملحن كما في كثير من الأغاني – وربما تكون طريقة الغناء لدى المطرب هي السبب ولكن الأمر سيكون ناجحا مع مطربين مثل ميادة الحناوي ووديع الصافي وسعاد محمد والأغنية الجيدة التي غنتها عُليا ( لا القلب قلبي ) .
من جانب آخر نقول بأن عدم توفر أصوات نسائية ليبية جيدة قد حال دون تقديم الأغنية العاطفية أو العاطفية الوطنية أو العاطفية الشعبية وهذا الثلاثي النوعي جوهر نجاح علي ماهر بشكل جيد من حيث النوع والعدد .
من التجارب العاطفية أغنية حديثة وهي لمصطفى طالب وكانت بعنوان (ننسى) وهي من النوع الذي لم يتكرر كثيرا وربما كان وراء هذه الأغنية نوع من التحدي وأظن أن التحدي هو دائما سر نجاح الفنان علي ماهر .




الخميس، 11 يونيو، 2015

الأربعاء، 20 مايو، 2015

 



المتغيرات في مدونة السينما التونسية



قليلة هي الكتب عن السينما التونسية، قليلة رغم كثرتها نسبيا، والسبب في ذلك أن أغلبها أو كلها قد صدر باللغة الفرنسية، ولا ضير في ذلك بالطبع، لأن الفرنسية لغة رئيسية في تونس وبلدان المغرب العربي ولبنان وأطراف أخرى عربية تعيش بين فرنسا وبلجيكا وبعض الدول الأوروبية.

ولكن هذه الكتب المعنية لا تكاد تصدر باللغة الانجليزية أو العربية، وبالتالي تظل حبيسة فضاء ثقافي معين، وعلى سبيل المثال لم يترجم كتاب "عمار الخليفي" والذي كتب بالفرنسية وبعنوان "تاريخ السينما التونسية". كذلك لم يترجم كتاب عبد الكريم قابوس والذي جاء بعنوان "الصمت.. الكاميرا تدور" وهناك كتب أخرى مثل "سينما تونس" للناقد فيكتور باشي.

القائمة قد تطول ومثلما حدث في السنوات الأخيرة، وكما يشير الناقد الهادي خليل، فإن هناك أطروحات جامعية سينمائية حول السينما التونسية أو حول موضوعات داخل السينما التونسية لم تترجم بعد، والترجمة هنا نقصد بها الترجمة الى العربية أولا ثم الى الانجليزية ثانيا.


في جميع الأحوال، توجد مرجعية صحفية وارشيفية  للكثيرين من الأفلام التونسية، ويمكن الوصول الى معلومات دقيقة حول الكثير من القضايا المتعلقة بالسينما التونسية ورغم ذلك يمكن القول بأن المكتبة العربية ينقصها كتاب شامل وموسع حول السينما التونسية، من الجانب التاريخي والنقدي وربما الاجتماعي السياسى أيضا.

ومثل هذا العمل ربما لا تتصدى له إلا مؤسسات معينة بالبحث وجمع المعلومات والتدقيق فيه.

هذا الكتاب "من مدونة السينما التونسية... رؤى وتحاليل" هو أحد الكتب التي يمكن اعتبارها معينة بالسينما التونسية، ليس وفق منهج تاريخي شامل، ولكن وفق منهج انتقائي، يعتمد بالدرجة على ذائقة الناقد واختياراته
. وبحكم أن التجربة السينمائية التونسية محدودة من حيث كمية الإنتاج، لذلك سوف نجد أن اختيارات الناقد الهادي خليل تشمل أكثر الأفلام المنتجة، وسوف نجد أن الأفلام المستبعدة من العرض والتحليل ضعيفة المستوى، أو أنها ذات صبغة كوميدية خفيفة، وأحيانا خارج السياق السينمائى التونسى المتعارف عليه.

الكتاب "من مدونة السينما التونسية" صدر عن المركز الوطني للترجمة ومترجم الى العربية عن الفرنسية، بقلم الكاتب الهادي خليل نفسه، ولذلك سوف يشعر القارىء بأن الكتاب بسيط وتلقائي من حيث اللغة، بل لعله الكتاب النقدي السينمائي الأول الذي يعتمد على لغة عربية مشكلة لغويا، فضلا عن فصاحة البيان ودقة التعبير، رغم أنه- الناقد - يدخل بالكتاب الى مناطق صعبة التلقي أحيانا، ويعبّر عن ظلال أفكار لا تأتي الى الذهن طيعة، والكتابة نجدها على الأرجح مفتوحة تسير مع تفاصيل الفيلم وجزئياته، مفسرة أحيانا مع ميل الى التاؤيل الذي لا يدرك بسهولة.

ومن البداية يعلن الناقد بأن كتابه ليس شاملا ولا يسعى الى الت
أريخ للسينما التونسية، لذلك يقع الكتاب في دائرة الاختيار، وفكرة استبعاد بعض الأفلام التونسية الردئية إن صح التعبير- ليس لها ما يبررها نقديا اذ ليست السينما التونسية كلها بستان جميل، ولعل الناقد يصل الى هذا المعنى عندما يخصص فصلا بعنوان "السينما التونسية... المشاكل والصعوبات".


وفي جميع الأحوال لا يكترث الناقد كثيرا بإصدار أحكام نقدية على الأفلام التونسية، لكنه يتتبع مساراتها وتشعباتها من خلال المخرجين والممثلين، أي من خلال الشخصيات داخل وخارج الافلام وهى التي تأتي فى المقام الأول من حيث الأهمية.

لذلك، يفرد  الكاتب فصلا عن هاته الشخصيات، فيسمى أسماء معينة بقيت في الذاكرة، وهو أمر يخص الناقد، والذي لا يهتم كثيرا بتقديم الدلائل والشواهد لكي يقنع القارىء، بل يسير على قاعدة الإعجاب السريع، والأمر ينطبق على أفلام بعينها مثل "سجنان" و"خليفة الأقرع "و"تحت مطر الخريف" وغير ذلك من الأفلام، وهو أمر كما أسلفنا ينطبق على شخصيات من الأفلام "ممثلين" مثل رؤوف بن غيلان وسلوى محمود ووسيلة شوقي وجليلة بكار ومحمد بن عثمان وغير هؤلاء، وربما شخصيات من الأفلام القديمة بصفة خاصة

في آخر الكتاب جاء الفهرس. أما في أوله فهناك تنويه ومقدمة، ولقد اختار المؤلف التسلسل التاريخي شكلا لتدرج الكتاب، فنجد في الجزء الأول، فترة التأسيس، وهي تشمل الستينات والسبعينات، والعنوان المختار كان أقرب فعليا إلى مبدأ الرهانات والتحديات.
وسنلحظ هنا أن هناك ربطا بين هذه البدايات وحسن استخدام فن السينما على المستوى السياسي، كما تمثل ذلك في استخدام الرئيس السابق الحبيب بورقيبة للصورة في إيصال غايات خطابه السياسي، فقد اعتبرالمؤلف الجريدة الناطقة "النشرة المصورة" هي المدخل للسينما التونسية، أو لفهم هذه السينما. وبالفعل فقد صدرت "الوقائع التونسية" عام 1968 مع افتتاح مركب قمرت السينمائي.

لسنا ندرى على وجه التحديد هل استغلال السينما سياسيا وبعد ذلك التلفزة، كان له دورا في توجيه هذا التأسيس، بصرف النظر عن براعة الرئيس بورقيبة في التمثيل واستخدام الاكسسوارات المتنوعة، ولاسيما وأن المؤلف لم يرد نصوصا أو مقتبسات في خطب فيها إشارة الى السينما في تونس أو غيرها.

والواقع ان هذا المدخل اللافت للنظر لا يعبر عن ظروف نشأة السينما التونسية والتى جاءت بعد الاستقلال 1956 ومتأخرة نسبيا، لأن أول فيلم كان "الفجر" لعمار الخليفي عام 1966.


ويبدو لي أن الظروف كانت تسمح ببداية مبكرة أفضل، وربما بفيلم أو أكثر ليس لهما علاقة مباشرة بالفكرة السياسية التي تركز على فكرة التحرر الوطني والاستقلال متماهية مع حضور الرئيس بورقيبة نفسه باعتبار صورته الطاغية على الأحداث كما حدث فى أفلام عمار الخليفي عندما كانت كانت  هناك نخبة معينة بالسينما، وكما يذكر المؤلف، فإن هناك جمعية للسينما قد تأسست عام 1949، ولا ندري بالطبع مدى حضور الجانب الفرنسي فيها، لكنها تعد جمعية مبكرة من الناحية التاريخية، ورغم ذلك فإن الإنتاج الروائي الطويل قد تأخر كثيرا.
 كان هناك فيلم "مجنون القيروان 1939" وكان هناك فيلم "جحا "إنتاج 1958.

وقد كانت البداية بأيدى فرنسية، لكنها الإشارة الأولى التي كان بإمكانها أن تولد انتاجات تونسية مبكرة، فضلا عن الأفلام الوثائقية والتي استبعدت من هذه المدونة.

من الأفلام المبكرة التى يركز عليها المؤلف "فيلم مختار للصادق بن عائشة إنتاج عام 1968" وفيلم "حميدة" للفرنسي جان ميشوستيان إنتاج 1965.


والمؤلف ينتقل بين الأفلام لطرح وجهة نظره ولا يتقيد كثيرا بمناقشة فيلم معين دون سواه، كما أن الجزء الأكبر من الكتاب مخصص للتعامل مع بعض المخرجين في بعض أفلامهم المتفرقة، كما عند نوري بوزيد وفريد بوغدير والناصر خمير والجيلاني السعدي ومحمود بن محمود وغيرهم.

يعتبر المؤلف، بطريقة أو بأخرى أن فيلم "مختار" هو البداية الأولى الفعلية للسينما في تونس "لأنه فيلم تونسي قلبا وقالبا"، يعيد الثقة للسينمائيين التونسيين ويسهم فى شق طريق ممكنة للتعبير والاختلاف، وهي مهمة صعبة شاقة والأهم أنه فيلم لا يقع في الدائرة الرسمية السياسية.

من الأفلام التى يقف المؤلف عندها "خليفة الأقرع" لحمودة بن حليمة، إنتاج 1968 وهو مصور بمقاس 16 مم ومقتبس عن أقصوصة للبشير خريف.



كما أنه – المؤلف – يقف أيضا أمام شريط "تحت مطر الخريف" لأحمد الخشين، وهناك أفلام أخرى إضافية مثل سجنان لعبد اللطيف بن عمار وفيلم وغدا لإبراهيم باباي إنتاج 1972.

ان كل تلك الأفلام السابقة. عدا بعض الجوانب الجزئية منها، ليس لها قيمة فنية كبيرة، وسوف نجد أن المؤلف يعجب بها ومن ناحية فردية وشخصية، ومن الطبيعي أن تكون مثل هذه الأفلام صالحة باعتبارها مقدمات تخدم سباق تطور السينما، إلا أنها متواضعة في قيمتها، وتبقى تفسيرات الناقد غير صريحة، لا تخلو من الغموض كما أن الإعجاب يبقى خاصا ومبرراته لا تكاد تصل الى القارىء.


يتوقف المؤلف أمام فيلم" السفراء" للناصر القطاري انتاج مشترك 1975 ويقول عن الفيلم:"
من بين مزايا فيلم السفراء تقطنه الى تشعب ظاهرة الهجرة، واهتمامه بخطابات مختلف الأطراف المعينة، منتقدا اتفاق المسؤولين اللفظي، والممارسات العنصرية تجاه العرب والأفارقة المهاجرين."
ولعل ما يكتبه الهادي خليل عن هذا الفيلم من أفضل الكتابات، وخصوصا في لمسة لتشعبات الفيلم السياسية والأيدلوجية المباشرة منها وغير المباشرة
ومن المخرجين الذين يتوسع بالنقد معهم بنجاح المخرج نوري بوزيد فى كل أفلامه تقريبا. أيضا يهتم المخرج بالناصر خمير وأفلامه المتميزة، وبعض أفلام فريد بوغدير ومحمود بن محمود مثل "عبور "وكذلك أفلام مفردة مثل السامة لناجية بن مبروك و"رقية "للفيتوري بلهيبة و"السيدة" لمحمد الزرن.


هناك أيضا موضوعات عامة حول الاقتباس من الأدب وحول التعامل مع المؤسسة الجامعية والعلاقات العاطفية والضحك والكوميديا.

من آخر الأفلام التى أنتجت ما أخرجه الجيلاني السعدي ونالت أفلامه اهتماما خاصا من المؤلف، وكما قلنا هناك استبعاد لبعض المخرجين، مثل الطيب الوحيشي وعلى العبيدى وعدم اهتمام بالأفلام الأخيرة لإبراهيم باباي، ونلحظ أحيانا بعض التداخل بين الأفلام الروائية القصيرة والطويلة، كما في تناول لفيلم "العتبات الممنوعة" وهو فيلم قصير وكذلك فيلم" فيزا".

كما قلنا، يأتي الكتاب بعيدا عن الاختيار الموسوعي الشامل، ومن مهمة نقاد آخرين إضافة اختيارات معينة لم يتم إدراجها فيه وبالطبع نتعرف على مثل هذا الإصدار بعد سلسة من الكتب للمؤلف مثل "العين الشغوف 1994" – العرب والحداثة السينمائية 1996– رمية النرد 1999 وفي المقابل فإن الكثير من المشكلات التي صاحبت السينما التونسية كما عرضها المؤلف قد تجسدت بشكل واضح في الانتاجات السينمائية الأخيرة، وهي انتاجات ضعيفة المستوى بشكل عام، ولو أراد المؤلف "الهادي خليل" أن يقرأ بنفس طريقته بعض هذه الأفلام، فلن يجد منها حتى القليل.