08 يوليو، 2009

المخرج أحمد بدر خان: رومانسية حالمة بواقع متغير




بمناسبةالذكرى المائةليوم ميلاده

بعض المخرجين فى السينما المصرية، يصعب تصنيفهم ووضعهم فى اطار معين ولا

نقول اتجاه سينمائى محدد، وهم كثر ولاسيما من ابناء الجيل الأول الذى بدأ

مع بداية السينما الروائية 1927، فالمهم بالنسبة لهؤلاء المخرجين هو انجاح

تجربتهم وتقديم أكبر عدد من الافلام المقبولة لدى الجمهور. هذا الأمر ينطبق

ايضا على الجيل الثانى والذى بدأ بعد عقد من البدايات الأولى، وهو جيل درس

فى الخارج ولكن ليست الدراسة الاكاديمية المتكاملة المطلوبة، بل كثيرا ما

تعنى هذه الدراسة التواصل مع هذا الفن الحديث، فن السينما، من الناحية

الفنية والتقنية.

الجيل الثاني

من هذا الجيل الثاني، المخرج أحمد بدرخان والذى تحتفل الاوساط السينمائية

بمناسبة مرور مائة عام على ميلاده. فقد ولد هذا المخرج والذى ترجع أصوله

الى الاكراد فى عام 1909 وانشغل بالكتابة الفنية فى مستهل حياته، فكيف فى

مجلة الصباح ثم مجلة "مجلتي" وفي عام 1934 اصدر أول كتاب فى السينما وكان

بعنوان "السينما".

لقد أوفد أحمد بدرخان الى فرنسا فى أول بعثة سينمائية عام 1931 وتحصل على

دبلوم الاخراج. ثم عاد ليباشر عمله السينمائى بعد تجارب فى الكتابة والعمل

كمساعد مخرج ومتعاون فى عدد من الأفلام.

وخلال رحلته مع السينما تولى احمد بدرخان عدة مناصب فنية، أهمها عميد

المعهد العالى للسينما، وكذلك نقيب السينمائيين، ورئيس اتحاد النقابات

الفنية، ولم يمنعه ذلك من اخراج الكثير من الأفلام والتى تجاوزت الاربعين

فيلما، غطت معظم الانواع المتعارف عليها فى السينما المصرية، وان كانت ميول

المخرج تتجه نحو الافلام الاجتماعية الرومانسية الغنائية أو الكوميدية، فهو

مثلا لم يقدم الفيلم الذى تدور احداثه فى الريف أو الصعيد أو الصحراء. كما

لم يقم أفلام الحركة، وكل ذلك يعود الى طبيعة تكوينه، بحكم انه ابن مدينة

القاهرة، وكذك تأثره بالمدرسة الفرنسية ذات الطبيعة الرومانسية الحالمة،

والبعيدة عن التعمق فى تفاصيل الواقع، ورغم ان موطن العائلة بالفيوم إلا

أنه ثقافيا قد تأثر بالثقافة الفرنسية والالمانية من خلال تعلمه فى مدرسة

العزيز الاجنبية بالقاهرة.


بدايات أولى

ومما لا يعرفه الكثيرون أن بدايات أحمد بدرخان فى مجال التمثيل، فقد كان من

مؤسسي مسرح الطليعة، وكان يرتاد مسارح شارع عماد الدين بصفة مستمرة وخصوصا

المسرحيات المعروضة بمسرح رمسيس، وبالنسبة للافلام كانت مشاهداته مقصورة فى

البداية على سينما الكوزمو ولاسيما ما كانت تعرضه من أفلام لتشارلى شابلن.

درس أحمد بدرخان القانون ولم يكمل دراسته، ودخل معهد التمثيل ولكن المعهد

أغلق، ورشح بعد ذلك من قبل استديو مصر لدورة الى فرنسا، ويذكر أن الاقتصادى

طلعت حرب هو من طلب منه دراسة جدوى لتأسيس مشروع استوديو مصر وكلف احمد

بدرخان لاعداد هذه الدراسة، وكان من نتيجتها تأسيس هذا الاستوديو.

الفيلم الأول

كان احمد بدرخان كاتبا صحفيا وزجالا يكتب الاغانى، تعلم الفرنسيبة وراسل

بها معاهد السينما فى فرنسا، ثم كان سفره تتويجا لكل اهتماماته، حتى اذا

عماد من فرنسا بدأ فى التحضير لفيلم "وداد" لأم كلثوم ولكن الفيلم استقر فى

النهاية فى يد المخرج فرتيز كامب، الى أن جاءت الفرصة المناسبة بفيلم "نشيد

الأمل" عام 1937 والذى انتجته شركة الشرق.

كان الفيلم بطولة ام كلثوم وعباس فارس زكى طليمات، وهو يصور قصة تداخل فيها

الاحداث بين الواقع والسينما، حيث تصبح أمال مطربة وممثلة، ولكن زوجها

السابق يطاردها ليستفيد منها مستخدما نقطة ضعفها والمتمثلة في ابنتها

الصغيرة سلوى.

في آخر الفيلم تمثل امال فيلما وفيه مشهد اطلاق نار عليها، ويتحول المشهد

الى مشهد واقعى يقوم به طليقها اسماعيل، فيصيبها برصاصة، لكنها لا تموت حيث

تنظرها قصة حب أخرى مع الطبيب عاصم. انها قصة رومانسية سوف تتكرر عند احمد

بدرخان مشارك فى الفيليم احمد رامى كاتب للاغانى والحوار، وغنت ام كلثوم فى

هذا الفيلم عدة أغنيات ناجحة منها اغنية "افرح يا قلبى" وكان لنجاح هذا

الفيلم البادرة المشجعة لاستمرار احمد بدرخان في تقديم الفيلم الغنائي.

أفلام لاحقة

في نفس الاتجاه جاء الفيلم الثانى للمخرج، فالآفلام الغنائية والاستعراضية،

كانت مقبولة من قبل الجمهور وتحقق مكاسب جيدة، وفي تعاون أول مع المؤلف

بديع خيري، جاء هذا الفيلم الفنائى التاريخي "شيء من لا شيء" والبطولة كانت

المطربة نجاة على والمطرب عبد الغني السيد وتدور احداثه ايام المماليك

عندما يفرض أحد السلاطين على ابنة اخيه "نجمة" الزواج من أسير وبطريق

الصدفة، بعد رفضها من الزواج من أحد الامراء يصبح الأسير "هلال" شخصا

مقبولا بعد فترة، فهو يقف مع السلطان ضد هجمات الجماعات المناوئة، ورغم ذلك

فإن كل الاحداث ليست الا حلما.

لفد عرض الفيلم عام 1938 والفيلم اللاحق عرض بعد سنتين وكان بعنوان "حياة

الظلام" وقد كتب له السيناريو، بالاضافة الى الاخراج أحمد بدرخان فى أول

تعاون مع بيرم التونسي.

أما بطولته فقد ذهبت الى المطربة "روحية خالد" بالاشتراك مع محسن سرحان

وأنور وجدى وعبد الفتاح القصرى وميمى شكيب وموضوع الفيلم أقرب الى

الميلودراما الاجتماعية مع الاستفادة من الاغانى التى لحق أهمها محمد

الكحلاوىن والقصة تدور حول شاب يدعى أحمد يدخل كلية الحقوق غصبا عنه، مثل

العادة، ويفشل ويجره رفقاء السء الى طريق الظلام والرذيلة فتضيع كل أموال

أبيه بسببه ويسرق أمه وتموت بسبب ذلك، ثم ينصرف عنه الجميع عدا واحد وهى

البطلة، لكنه يصاب فى النهاية بالجنون، وهذا الفيلم من الأفلام القليلة

التى تأتى نهايتها سلبية، وهو أمر لم تتعود عليه الافلام المصرية التى تنتج

فى تلك الأونة.

فيلم دنانير

في نفس السنة 1940 يتعاون المخرج مع المطربة أم كليوم فى فيلم جديد بعنوان

"دنانير" كتب حواره وقصته احمد رامى وانتجته شركة الشرق ايضا بمشاركة عباس

فارس وسليمان نجيب ويحي شاهين وغيرهم.

والقصة من قصص التراث العربي القديم، تصور سيرة مطربة من البادية تدعى

دنانير. يأخذها الوزير جعفر الى قصره فى بغداد لتتعلم أصول الغناء على يد

ابراهيم الموصلى، ثم صبح العلاقة عاطفية بين جعفر ودنانير ولذلك يرفض طلب

الخليفة هارون الرشيد عندما يستدعيها لتمكث فى قصره. وبسبب المكائد يقتل

الأمير جعفر وتظل دنانير تبكيه طوال الوقت حتى عندما تعود الى البادية.

لقد اشتهر هذا الفيلم بأغنياته والتي منها بكره السفر وليلة العيد والزهر

في الروض.

في عام 1941 انتج فيلم من أشهر أفلام المخرج احمد بدرخان وهو "انتصار

الشباب" وهو أول افلام فريد الأطرض وأسمهان وتدور احداثه حول موسيقى واخته

المطربة يشقيان فى محاولة منهما للبحث عن فرصة النجاح فى الغناء، ولكن ظروف

العمل والسكن لم تسمح لهما بالخروج من دائرة الفقر، الى أن تتعلق الاخت

بشاب غنى من الذوات، ويتعلق الأخ بفتاة غنية، ورغم رفض الأسرة الغنية

للزواج إلا أنه فى النهاية تنتصر ارادة الشباب فى الحياة وكذلك في الفن.

كتب حوار الفيلم بديع خيرى وشارك فى التمثيل كل من: بشارة واكيم وعلوية

جميل وأنور وجدى ولحن الاغانى واختار الموسيقى فريد الاطرش.

تتوالى افلام المخرج، ففى عام 1941 يقدم فيلم "عاطفة على الريف" انتاج

استوديو مصر وبطولة يوسف وهبى وأمينة رزق وراقية ابراهيم وحسين رياض.

وفى عام 1942 يقدم احمد برخان فيلما عاديا بعنوان "على مسرح الحياة" وهو

فيلم اجتماعي يقترب من الميلودراما وشارك فيه كل من أنور وجدى وسامية جمال

وروحية خالد وحسين رياض.

غناء وميلودراما

في نفس العام يعود المخرج الى التعاون مع أم كلثوم فى فيلم بعنوان "عايدى"

كتبه عبد الوراث عمر عن اوبرا عايدة الشهيرة وبمشاركة كل من ابراهيم حمودة

ويحي شاهين وسليمان نجيب وغيرهم، ولقد احتوى الفيلم على عدد من الاغانى

المعروفة التى كتبها احمد رامي ولحنها رياض السنباطى ومحمد القصبجي.

فى عام 1944 قدم المخرج رياض فيلما ناجحا وهو: من الجانى بمشاركة كل من

أنور وجدى وليلى فوزى وعباس فارس وساماعيل ياسين وثريا حلمى، ويحتوى هذا

الفيلم على عدد من الاغانى الخفيفة التى كتبها أبو السعود الابياري.

وفى أول تعاون مع الممثل حسين صدقى، يقدم المخرج عام 1944 فيلم الابرياء

وهو فيلم غنائى تقوم بالبطولة فيه المطربة "رجاء عبده" مع حسين صدقى وزوزو

ماضى والفيلم يعكس طبيعة الموضوعات التى يختارها المخرج، حيث نجد الشاب

محسن قد عمل من أجل الفقراء طوال حياته وسخر قصر جده لهذا الغرض مما يجعله

منبوذا من العائلة، لكنه يصر على العناية بالفقراء الى أن يقتنع الجميع بذلك.

أول تعاون

في عام 1945 يأتى تعاون بين احمد بدرخان والمطرب محمد فوزى، من خلال فيلم

بعنوان "قبلة فى لبنان" بمشاركة أنور وجدي وسليمان نجيب وهاجر حمدي وبطولة

مديحة يسري، حيث قدم محمد فوزي ثلاث اغنيات، بعضها من تأليف احمد بدرخان

نفسه، أما القصة والحوار فهي ليوسف جوهر، وموضوع الفيلم يمكن اعتباره

جرئيا، حتى بالمقاييس المعاصرة ولكن فى اطار رومانسى غنائي.

في لبنان، تتعرف الزوجة فتحية على شاب، وعندما تسمع بأن زوجها يخونها فى

مصر ترد عليه باقامة علاقة عاطفية مع الشاب الجديد، ولكن الأمور تعود الى

مجاريها الاولى بعد المرور بهذه التجربة المؤقتة.

تتعدد أفلام المخرج بعد ذلك موزعة بين عدد من الممثلين والمطربين ولاسيما

فريد الأطرض وليلى مراد وأم كلثوم وغيرهم، ومن ذلك فيلم الجيل الجديد انتاج

عام 1945 وتاكسى حنطور انتاج نفس العام، مع فيلم شهر العسل.

ومن الأفلام الناجحة فيلم "ماقدرش" انتاج عام 1946 وفيلم مجد ودموع، وفيلم

النفخة الكذابة وفيلم عودة القافلة.

اما في عام 1947 فقد قدم المخرج أكثر من فيلم ومن بينها فيلم

"القاهرة/بغداد" وفيلم قبلني يا أبي وكذلك الفيلم الأهم "فاطمة" للمطربة أم

كلثوم عن قصة لمصطفى أمين وحوار لبديع خيرى. أما البطولة فكانت بمشاركة

أنور وجدى وسليمان نجيب وحسن فائق وميمى شكيب وغيرهم.

بالاضافة الى الاغانى التى تجذب الجمهور هناك الميلودراما الحزينة وحضور أم

كلثوم بوصفها مطربة، مع اعلان التوبة والندم فى النهاية وكلها أسباب جعلت

من فيلم فاطمة من أهم ما اخرجه احمد بدرخان على مستوى النجاح التجاري.

تتعدد الافلام وتتنوع نسبيا، ولكن الفيلم الغنائى يبقى هو الأهم فى مسيرة

المخرج، فتأتى الافلام مثل:- احبك انت عام 1949 وفيلم انا وأنت عام 1950.

وفيلم ليلى غرام عام 1951 وفيلم الشرف غالي، ثم فيلم "الايمان" عام 1951

وفيلم عايزة اتجوز وهي افلام من النوع التقليدي المتعارف عليه، وربما كانت

أقرب الى النوع الخفيف، حيث الافتقاد الى البعد السياسي والنقدي.

من أهم الأفلام


يعتقد أكثر النقاد بأن أهم فيلم اخرجه أحمد بدرخان هو "مصطفى كامل" انتاج

عام 1952 وهو من أفلام السيرة الشخصية القليلة لشخصية كانت مؤسسة للحزب

الوطنى الذى دافع عن استقلال مصر ويصور الشريط مرحلة ما بعد الدراسة فى

فرنسا 1919 ومحاولات مصطفى كامل لنيل الاستقلال الى أن مض وعولج فى فرنسا،

ثم وفاته بسبب المرض ليقود الحزب من بعده الدعوة الى الاستقلال.

لقد اضيفت الى الفيلم بعض الجوانب العاطفية ومن بينها العلاقة الصامتة مع

ابنة استاذه وكذلك جوانب من الصراعات الشخصية لخدمة الدراما.

ولقد أدى دور مصطفى كامل أنور أحمد بمشاركة ماجدة وحسين رياض ومحمود

الميلجي يستمر المخرج فى تقديم لونه السينمائى المعتاد كما فى فيلم لحن حبى

وعلشان عيونك ثم وعد وعهد الهوى، الى أن جاء فيلم "الله معنا" الذى اعيد

تصوير بعض ماشهده بعد ثورة يوليو 1952 وهو فيلم سياسي فى حدود معينة لأنه

يتعرض لقضية الاسلحة الفاسدة فى حرب 1948.

من الأفلام المعروفة ايضا فيلم ازاى انساك عام 1956 وفيلم العروسة الصغيرة

ثم فيلم "غريبة" عام 1958 والذى قامت ببطولته المطربة نجاة الصغيرة.

ولعل عام 1966 قد شهد ميلاد أهم أفلامه وهو "سيد درويش" حيث يتناول الفيلم

الحياة الشخصية لسيد درويش ولقد اختار له ممثلا ليس نجما وهو كرم مطاوع

مثلما حدث بالنسبة لفيلم مصطفى كامل.

في عام 1967 اخرج النصف الآخر ثم فيلم افراح وكان من الأفلام الأولى التى

ظهرت فيها الممثلة نجلاء فتحي.

أما آخر أفلام المخرج فقد كان فيلم "نادية" عن قصة ليوسف السباعى وكان ذلك

عام 1969 وهو فيلم ملون وقامت ببطولته الممثلة سعاد حسني.

لقد نال هذا المخرج جائزة الدولة التقديريةعام 1954 ونال ايضا وسام الفنون

عام 1962، كما أن تأثيره على الاجيال اللاحقة كان كبيرا، بفضل التوازن الذي

تتصف به شخصيته الفنية وعدم خوضه في مجالات بعيدة عنه، فكان بالتالي مخلصا

لفنه من ناحية وللواقع الذى يعيش فيه ةلصناعة السينما التي تهتم بالجمهور

أولا وأخيرا.

01 يوليو، 2009

"دكان شحاتة":رؤية سوداوية للواقع






"دكان شحاتة": انفعالات ساخنة على سطح بارد


إذا عدنا الى الفيلم الأول للمخرج "خالد يوسف" وقد كان بعنوان "العاصفة

2001" وجدنا به بعض الجوانب التي ظلت تتكرر في أعمال المخرج بعد ذلك، ونقصد

بعض التبعات الفنية وكذلك الاهتمامات والمشاغل، وربما نضيف الى كل ذلك

طريقة المعالجة الموحدة التي لم يتخلص منها المخرج الا في بعض الافلام

القليلة مثل "ويجا 2005 ـ انت عمري 2005 ـ خيانة مشروعة 2006" وذلك بحسب

ظروف كتابة القصة والسيناريو، وبالتالي فغن باقي الافلام والتي يعتبرها

النقاد أكثر أهمية هي في الغالب من تأليف المخرج، كما أنها تسير في نفس

الاطار تقريبا، ونقصد بذلك أفلام مثل "هي فوضى 2007 ـ حين ميسرة 2007 ـ

الرئيس عمر حرب 2008" والفيلم الأخير للمخرج "دكان شحانة 2009".

خلط الأوراق

سنرى في فيلم "العاصفة" ارتباكا على مستوى الرؤية السياسية المشوشة والتي

تخلط الأوراق فيما بينها لمصلحة طرح الكثير من الشعارات والتي لا يحتملها

الفيلم او ليس هناك امكانية لتحملها، ولذلك تأتي هذه الشعارات سريعة

واعلامية وتميل الى المنظور التعبوي الذي ينظر الى الجمهور على أنه حشد،

يندفع وراء الميل العاطفي والغريزة التلقائية ولا مجال لديه للتوقف

والتفكير أو التأمل. ان خالد يوسف هو من تلامذة المخرج الراحل يوسف شاهين،

لكن الفرق بينهما شاسع في التفكير، فالأول لا ينطلق من الفكرة وبالتالى لا

يهتم بالتحليل الجزئي، بينما يركز يوسف شاهين على الفكرة ولا سيما في

افلامه الاخيرة، وتستخدم العواطف والاهواء والرغبات مجرد توابع تخدم الفكرة.

في مجمل أفلام المخرج خالد يوسف تجري الشخصيات وراء الاهواء وتتحرك بدافع

الرغبات، وحيث أن هذه الاهواء وتلك الرغبات متغيرة، نجد الشخصيات قلقة

تندفع في عدة اتجاهات ولا يحكم سلوكها منطق داخلي موحد.

الأمر الثاني بالنسبة الى افلام هذا المخرج خالد يوسف يعود الى

الميلودراما، وهي مرتبطة بالعواطف و الاهواء ايضا، حيث يشتد الصراع بين

الشخصيات، ولاسيما بين أفراد العائلة الكبيرة أو الصغيرة، واحيانا يكون

الصراع بين الاشقاء "العاصفة ـ دكان شحاتة"، وبطريقة أشد وأقوى، صراع حول

المال أو المرأة أو الجاه.

واذا كان المخرج يوسف شاهين يزيح الميلودراما نحو الأغنية أو الاستعراض

الراقص، فإن خالد يوسف يستخدم الغناء احيانا لاضفاء المزيد من التوتر على

الميلودراما الاجتماعية والسياسية.

من الانشغال بالقضية السياسية المباشرة الى استخدام الميلودراما الحادة،

تصاغ افلام خالد يوسف في قالب تجاري يركز على الجنس واشهار الفضيحة، وتلعب

المرأة بالنسبة اليه النموذج القادر على الغواية من ناحية، وهي حافز تتحرك

به الأحداث من ناحية أخرى، باعتبار المرأة غاية في حد ذاتها يتصارع حولها

الرجال.

كاتب ومخرج

في الفيلم الأخير لهذا المخرج "دكان شحاتة – 2009" أشياء من ذلك، ورغم ان

الفيلم له مؤلف وهو ناصر عبد الرحمن، وقد سبق أن كتب أفلاما مثل المدينة

2000 وحين ميسرة 2000 وحين ميسرة 2007 وهي فوضى 2007 وجنينة الأسماك 2008

والغابة 2008، وهذا الفيلم دكان شحاتة، وكل تلك الفلام تكشف عن اختيارات

مختلفة قليلا أو كثيرا في الموضوعات عما هو سائد فى السينما المصرية، كما

ان مجمل الأفلام يركز على المحور الاجتماعي حتى وان كان المنطلق فرديا

وخاصا، وفكرة الجمهور هي نقطة الالتقاء بين المخرج والمؤلف.

مثل العادة يعتمد الفيلم على شخصية الرجل الفني ولو كان غير مليونير، ووجود

الرجل الغني الذي يتنازل عن بعض ماله بطريقة أو بأخرى لمصلحة أطراف فقيرة

يتيمة تتواجد في مجمل الأفلام، بما في ذلك الأفلام ذات المنحى، المختلف

ولقد اختير في فيلم دكان شحاتة أن يكون مناضلا بالمعنى السياسي المباشر أو

معارضا بكمعنى أدق، وهو يسارى يطبق ما يؤمن به، فيتنازل عن جزء من حديقة

الفيلا التي يسكنها الرجل الذي يعمل معه وهو حجاج "محمود حميدة" ليقيم

عليها دكانا صغيرا يضمن به مستقبل أطفاله.

وهذه الشخصية اليسارية "د. مؤنس" التى اعتادت السجن في مرحلة حكم "السادات"

تبدو سطحية ذات طابع تنظيري، وخصوصا وانه يفكر بأن يكتب الفيلا كلها باسم

حجاج لأنه يعمل فيها فعليا وليس مثل ابنه الذي سيملكها بالوراثة، وليس له

بها علاقة فعلية عاطفية وانما علاقة منفعية لأن الابن يعيش في امريكا بعيدا

ان المبالغة في تصوير طيبة الرجل اليساري لن تخدم مقدمة الفيلم ونقطة

الانطلاق أو مشروعية الدكان نفسه، لكنها فرضية مقبولة حسب السياق العام

المبني على فكرة التقسيم بين اليسار واليمين فكل ما هو يساري أو اشتراكي

جيد، وكل ما هو يميني يكون على العكس.

مقدمة مطولة

ان المقدمة الارشيفية المطولة توحي بذلك ايضا، فهي تسجل بعض الاحداث

السلبية خلال فترة حكم السادات واحداث أخرى ايضا، الى حدود سنة 1981. أما

نهاية الفيلم فهي عام 2113 وتشمل الفترة المختارة منظورا سلبيا يركز عليه

الفيلم، وبالاضافة الى المادةء الارشيفية المطولة هناك الغناء الذي يميل

الى الحزن للتأكيد على فكرة الميلودراما وعلى عذابات الناس وقساواة الحياة

التى يعيشونها، وهو اتجاه يمضي مع بداية الفيلم الى نهايته.

من الناحية الشعورية، يجد المتفرج أمامه فيلما ثقيلا، به تفاصيل كثيرة