الأربعاء، 18 يوليو 2012










مهرجان الاسماعيلية السينمائي
في دورة متميزة
رمضان سليم

أولاً :
بمجرد وصولك إلى مطار القاهرة الدولي لغرض المشاركة بمهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والقصيرة في دورته رقم (15) تفاجأ بباقة ورد تقدمها لك لجنة الاستقبال ، مع استعداد كامل للتعاون وتهيئة كل شيء من أجل سهولة الوصول إلى مدينة الإسماعيلية .
هذه هي المفاجأة الأولى .
أما المفاجأة الثانية فتتمثل في اتجاه السيارة إلى فندق جديد يسمى (ميركوري) وبعكس الاتجاه السابق،أي نحو البحر حيث المدينة الأولمبية الجاثمة على قناة السويس في الدورات السابقة بكل الطرقات المتعرجة وبوابات الوقوف والانتظار .
نعم ، قامت اللجان السابقة بحسب دورات مهرجان الإسماعيلية المتسلسلة بجهد طيب في الاستعداد وتابع الضيوف الكثير من الأفلام الجيدة وكانت العروض مريحة ، وربما كانت القرية مناسبة ليلاً حيث السهرات السينمائية والغنائية المتواصلة ، ولكن كان ثمة شيء ما ناقص!
النقطة الثالثة التي تصادفها في الدورة الجديدة (15) تتمثل في غياب الفنان صلاح مرعي مدير المهرجان الراحل ، وهو المدير الذي كان يتنقل برشاقة بين الضيوف ليحل كل المشاكل العالقة .
النقطة الرابعة تتمثل في مشاهدة وجوه جديدة لم تعرفها الدورات السابقة مما يعني أن الإدارة  قد تغيرت وهذا شاهد على تغييرها .
الأهم هو القرار الخاص بنقل إقامة المهرجان إلى المدينة بدلاً من الأطراف ، وبذلك تتحرر الإقامة من الحصار العسكري ، كما أن استخدام قاعة سينمائية جديدة (رينسانس) يبدو توجهاً مختلفاً له الكثير من الإيجابيات .
يمكن أن نضيف أيضاً تلك العروض العامة في الحديقة الكبيرة ، وهذا أتاح الفرصة أمام الجمهور لمتابعة أفلام المهرجان .
هناك ولا شك إضافات إيجابية كثيرة ،  كان وراء ذلك مدير المهرجان الناقد أمير العمري بجهوده الفردية أولاً والجماعية ، مع توافق تام في الرؤية مع رئيس المهرجان المخرج مجدي محمد علي .
حاول مهرجان الإسماعيلية أن يقدم ما هو مختلف في حفل افتتاحه ، وبالتالي فقد عرض ثلاثية بعنوان ( الطريق إلى الله) وتحتوي على فيلم (الحصن) أولاً ثم فيلم (الداندراويه) ثانياً وثالثاً فيلم (مأساة البيت الكبير) .
ينسب الفيلم بأجزائه الثلاثة إلى المخرج شادي عبدالسلام والقيمة الأساسية للثلاثية يأتي من حضور شادي عبدالسلام بعد سنوات طويلة على وفاته .
ولكن من الواضح أن الثلاثية لا تضيف شيئاً للمخرج الراحل ، ومن الصعب نسبه الأفلام بوضوح للمخرج ، ولكن إلى مجدي عبدالرحمن والذي قام بعمل المونتاج وأكمل طبع وتصميم العديد من المشاهد المصورة .
على مستوى العروض المحلية في مصر ،هناك قسم بعنوان (نوستلجيا مصرية) عرض في السينما الرئيسية ، بينما عرضت أقسام أخرى في القاعة الثانوية وبالتالي لم تجد حضوراً كبيراً ، ومن ذلك أفلام مهرجان كلير مون فيرون وقسم ( سينما المرأة في الثورة) وأقسام أخرى غيرها .
وكان من الممكن التقليل من عدد الأفلام المعروضة لأن الجمهور محدود بنفس الوجوه والأسماء .
لم يكن قسم( نوستلجيا مصرية) في المستوى الكبير ، ولكن الاختيارات جيدة ، ولكن لولا التميز الخاص لفيلم ( النيل أرزاق) لقلنا بأن الأفلام تبتعد عن الكلاسيكية بأي معنى .
رغم ذلك فقد نجح المهرجان في إعداد القسم والندوات المرتبطة به وخصوصاً وأن عدد من المخرجين قد حضروا وكان حضورهم فعالاً أسهم في إنجاح هذه الدورة بكل فعالياتها ولا سيما العروض السينمائية ، بعيداً عن الاحتفالات الغنائية الضعيفة والندوات الرئيسية والتي كان من المتوقع أن تكون أفضل ! 
 
ثانياً :
لقد انتهت فعاليات مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والقصيرة في دورته رقم (15) ، وبذلك عاش جمهور الإسماعيلية أياماً سينمائية متميزة استمرت من 23 إلى 28-6-2012 في حضور عدد من النقاد والصحافيين وأهل السينما من كل أنحاء العالم .
يعد هذا المهرجان الأول من نوعه ، فقد وجد في وقت كان الاهتمام فيه منصباً على الأفلام الروائية الطويلة فقط في البلدان العربية والأفريقية ، وعندما خرج هذا المهرجان إلى النور كان مختلفاً وله نكهة خاصة بسبب تركيزه على الأفلام القصيرة وكذلك الأفلام الوثائقية ، ففي حين كانت الأفلام الروائية الطويلة تعرض في دور العرض التجارية ، لم تتح الفرصة أمام الأفلام الوثائقية للعرض إلا في المهرجانات السينمائية ، وهذا ما ينطبق على الأفلام القصيرة بشكل واضح .
اختلفت الدورة رقم (15) من مهرجان الإسماعيلية قليلاً عن الدورات السابقة ، ليس لأن مديرها جديد ، وهو الناقد أمير العمري ، وليس لأن رئيس المهرجان جديد ، وهو المخرج مجدي أحمد علي ، وليس لأن ظروف الدورة جاءت في أجواء سياسية مختلفة بسبب ثورة 25 يناير في مصر وما جاء بعدها من تطورات شملت الوصول على انتخابات الرئاسة ، والمهم أن الكثير من المخاوف المتوقعة قد تبددت.
الأمر  مختلف تماماً ، ذلك أن هذه الدورة الجديدة قد انتقلت إلى مركز المدينة وليس على الأطراف ، كما أن الانتقال شمل التخلص من القرية الأولمبية ذات الطابع العسكري إلى فندق قريب من المركز ، وبالتالي صار من الممكن التحرك بسهولة والانتقال بحرية وكان الطابع السياسي قد فرض حضوراً على الواقع السينمائي الجديد .
امتازت الدورة الجديدة ببعض الإضافات  ، من ذلك تكريم الفنان الراحل صلاح مرعي وهو فنان ديكور شهير عمل في عدة أفلام مصرية مثل ( المومياء ـ ظلال في الجانب الآخر ـ جفت الأمطار ـ أبناء الصمت ـ زيارة السيد الرئيس ـ عفاريت الإسفلت ـ إشارة مرور ـ ألوان السماء السبعة ) ، وغير ذلك من الأفلام ، مع مشاركات في معارض التصميم والهندسة المعمارية .
على صعيد مهرجان الإسماعيلية ، عمل الراحل مدير للمهرجان لسنوات عديدة وأشرف على حفلات الافتتاح والاختتام .
من إيجابيات الدورة الجديدة عرض ثلاثية للمخرج الراحل شادي عبدالسلام وهي بعنوان ( الطريق إلى الله ) ولم يعرف عن هذه الثلاثية إنها عرضت من قبل إلا في حدود ضيقة ، ولولا صيانتها من جديد بجهود من داخل المركز القومي للسينما المشرف على المهرجان ، ما تحقق هذا العرض والذي جاء في يوم الافتتاح .
كان حفل الافتتاح بسيطاً لأبعد الحدود وانطبق ذلك على حفل الاختتام أيضاً ، ولكن ما بين ذلك لم يكن بسيطاً ، حيث ازدحم المهرجان بالأفلام المتنوعة والنقاشات المثيرة ، وتقول المعلومات بأن عدد الأفلام المشاركة قد وصل إلى 103 فيلم وبمشاركة 39 دولة وبحضور أكثر من 300 ضيف من داخل مصر وخارجها .
لعل من أهم الأقسام بالمهرجان، بالإضافة إلى قسم المسابقات الرسمية، ذلك القسم الذي أهتم بعرض أفلام الثورة المصرية ولكن من منظور خارجي .
لقد جاء عنوان القسم كالآتي : (الثورة كما يراها الآخر) والمقصود بهذا المعنى تلك الأفلام التي صورها أجانب عن الثورة المصرية ، ولقد عرض في القسم خمسة أفلام وهي : ( نصف ثورة ) من الدانمارك للمخرجين كريم الحكيم وعمر الشرقاوي وكذلك فيلم (العودة إلى الميدان) للمخرج بيتر لوم من النرويج ، والأهم فيلم ( الإيقاعات ) من القاهرة للمخرجين السكندر بريف وجوهانس روسكم من ألمانيا .
من الأفلام المعروضة أيضاً فيلم (ميدان التحرير ) للمخرج ستيفانو سانونا من فرنسا واسبانيا وأخيراً فيلم (الإطاحة بالطاغية) للمخرجين لوري فيليبس ويحيى حسين من بريطانيا .
لقد عرضت هذه الأفلام في الهواء الطلق وحضرها جمهور من الإسماعيلية وأقيمت ندوة حول الموضوع ، ولكن كانت العروض جيدة بينما جاءت الندوة ضعيفة بسبب سوء الإعداد وغياب أكثر من مشارك ، وهذا أمر انطبق على ندوات أخرى أيضاً ، ولذلك مجال آخر .
 
ثالثاً :
لا أعرف مهرجاناً سينمائياً أو مسرحياً احتوى على مسابقة ونتائج إلا وقد أسفر عن اختلافات في نوعية منح الجوائز بين كل الأطراف مهما تعددت .
يأتي الاختلاف طبيعياً بالنسبة لأصحاب الأفلام على سبيل المثال ، فأكثر المخرجين يتصورون بأن أفلامهم هي الأفضل دائماً .
في آخر المهرجانات السينمائية ، وهو مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والقصيرة من 23 إلى 28 -6- 2012 لم تحدث تلك الاختلافات  حول الجوائز وتوزيعها ، بالنسبة للجمهور والنقاد فقط ، لكن أعضاء لجنة التحكيم كانت على غير وفاق ، وقد أفصح رئيس اللجنة (هانز كريستيان) عن مشاحنات وصراعات طويلة دارت من أجل الوصول على النتائج المطروحة في حفل الاختتام والذي شهد بعض الارتباك .
هناك ولا شك دول كثيرة مشاركة بالمهرجان ، وربما دار في خلد البعض أن التوازن مهم في هذا الجانب ، بمعنى ضرورة توزيع الجوائز على أطراف كثيرة مشاركة ، بمقياس معين يراعى كل الاعتبارات ذلك لم يحدث أبدا بصورة أو بأخرى ! .
من أهم  الأفلام الفائزة : جائزة أفضل فيلم تسجيلي طويل ، وقد جاء بعنوان ( العذراء والأقباط وأنا) لمخرجه نمير عبدالمسيح من مصر ، والفيلم من إنتاج قطري فرنسي ، وقد سبق أن عرض في مهرجانات عالمية وحقق نجاحاً كبيراً ولكن هذه الجائزة الأخيرة كانت الأفضل .
موضوع الفيلم الذي تم اختياره له علاقة بالديانة المسيحية والنظرة إلى الموضوع كانت ساخرة وجزئية ، وهي متعلقة بخرافة ظهور العذراء مريم بين الحين والآخر ، وفي عودة إلى سنة 1968 يعالج المخرج وبنفسه هذه الفكرة متنقلاً بين الناس ، ثم العودة إلى قريته بصحبة أمه وإعادة تصوير فيلم حول ظهور السيدة مريم .
من الأفلام المعروضة والتي نالت جائزة لجنة التحكيم ، الوثائقي الكوري (كوكب القواقع) وهو من الأفلام المتميزة في طريقة التناول وفي الموضوع أيضاً .
على مستوى الأفلام الوثائقية القصيرة برز فيلم من مصر وهو (الطريق إلى وسط البلد) لشريف البنداري ، وقد تميز الفيلم بشكل فني يستجيب لتفاصيل يوميات وسط البلد ويقصد به مركز القاهرة الاجتماعي منذ عقود طويلة وإلى الآن .
لابد أن نذكر فيلم (غوبل) من رومانيا وهو فيلم روائي قصير فاز بالجائزة الأولى في نوعه ، وفاز بالجائزة الثانية (لجنة التحكيم) فيلم (الحاضنة) من النمسا .
تتعدد الأفلام إذن ، ولعليّ هنا أشير إلى فيلم (الطياب) من تونس ، وفيلم (تحت المطر ) من ايرلندا ، وفيلم (حراقة) من الجزائر ، وفيلم (أنا مرتزق أبيض ) من العراق ، وفيلم (جنة علي) من ألمانيا ، وفيلم (يا مو) من لبنان ، وفيلم(السحابة) من كرواتيا .
ومن جانب آخر أسهمت  بعض الهيئات والمؤسسات ببعض الجوائز ، منها المالية ، مثل مؤسسة (أكت) والأهم (قناة الجزيرة) التي قدمت جائزة مقدارها (ثلاثة آلاف دولار)، والمشاركة لم ترض أطراف كثيرة ، حيث اعتبرت الجائزة تدخلاً من قناة الجزيرة في شؤون لا تعنيها ، ولا سيما وأن الندوة المرافقة للمهرجان الخاصة بالفيلم التسجيلي أشرفت عليها قناة الجزيرة ، وفي جميع الأحوال كانت الندوة ضعيفة المستوى .
من الجهات التي تقدم شهادات تقدير (جمعية التسجيليين) في مصر ، و(جمعية النقاد) ، وكل ذلك يضيف امتيازات للمهرجان ، ولا سيما وأن كل منظمة تتفرد بلجنة تحكيم خاصة بها .
من الملاحظات السلبية أن تتولى لجنة تحكيم واحدة الإشراف على تسمية الجوائز وكان الأولى أن تتعدد لجان التحكيم ، ولا سيما التقسيم بين الوثائقي والروائي ، ومن الملاحظات السلبية أيضاً قلة أفلام التحريك وضعف مستواها رغم أن الفيلم الفائز بالجائزة الأولى يعد من أفضل الأفلام ، ونقصد بذلك فيلم (المقهى الكبير) من رومانيا .
رابعاً :
 
رغم بعض السلبيات الصغيرة ، إلا أن الدور رقم (15) من مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والقصيرة  شكلّت منعطفاً مهماً من حيث النوعية ، فلقد اختيرت أفلام جديدة لم تعرض من قبل ، أو عرضت بشكل محدود ، والأمر في ذلك يعود إلى شهرة مهرجان الإسماعيلية الدولي وكذلك جهود المنظمين الذين كان لهم اتصال وتعاون مع بعض المهرجانات العالمية مثل مهرجان( كان) ومهرجان (برلين) ، بالإضافة إلى مهرجانات متخصصة أخرى منتشرة عالمياً ومنها المهرجان الفرنسي (كلير مون ـ فيرون) .
ومن الاعتبارات الإيجابية التي ينبغي أن تذكر تلك الندوات المصاحبة للعروض بحضور المخرجين والقليل من الجمهور ، ولاشك أن أي مهرجان ولكي يؤكد نجاحه ، لابد له أن يهتم بالمناقشات التي تنظم بعد العروض السينمائية .
لقد حضر أغلب المخرجين ممن عرضت أفلامهم في المسابقة الرسمية، وكما استطاع النفر القليل من الجمهور التجاوب مع الأفلام وطرح الأسئلة واستقبال الأجوبة والتفاعل المباشر مع المخرجين .
نقول ذلك ، مع شيء من التحفظ ، لأن الجمهور كان قليل العدد بشكل عام ، وبالتالي بدأ المهرجان وكأنه مخصص لأصحاب الشأن السينمائي ، فلم يحضر جمهور الإسماعيلية ، وربما لم يسمع الجمهور بالمهرجان لضعف الجوانب الإعلامية والدعائية .
وهذه المشكلة تواجه بعض المهرجانات السينمائية في مصر ، كما حدث في مهرجان ( الأقصر السينمائي) ، وربما تحدث في مهرجانات لاحقة حيث من المتوقع أن ينظم مهرجان جديد في الأقصر ، وكذلك مهرجان في مدينة الغردقة ، بالإضافة إلى مهرجان شرم الشيخ .
 
إن نقص الجمهور لم يؤثر في سير النقاش كثيراً ، رغم أن القاعة غير مهيأة للندوات بما تحتويه من ترجمة وأسئلة وردود وتعريف بالأفلام .
عندما نتحدث عن الندوات ، لابد أن نشير إلى ندوة خصصت قسم بعنوان (نظرة إلى الماضي) وقد عرض بالقسم أفلام قصيرة مصرية لبعض المخرجين المتميزين .
من هذه الأفلام (البطيخة) وهو للمخرج محمد خان وقد أنتج عام 1973م وتدور أحداثه في الشارع ، حيث ينقل موظف بطيخة من مكان معين إلى بيته .
من أهم الأفلام المعروضة (العمار) لعبدالمنعم عثمان و(حياة جديدة) لأشرف فهمي و(طبيب في الأرياف) لخيري بشارة .
من الأفلام اللافتة للنظر( النيل أرزاق) لهاشم النحاس ، وفيلم (مقايضة) )لعاطف الطيب وأيضاً فيلم (عم عباس المخترع) للمخرج علي بدر خان وفيلم ( وصية رجل حكيم) لداوود عبدالسيد .
ولعل أهم فيلم هو ( نمرة 6) للمخرج صلاح أبو سيف ، وهو فيلم قصير قام ببطولته إسماعيل ياسين ، وبالطبع لم يعرض الفيلم في دور العرض لأنه قصير (23دقيقة) ، كما أنه لم يعرض في القنوات المرئية .
أيضاً من المهم التطرق إلى الندوة التي أعقبت عروض الأفلام بمشاركة أكثر المخرجين ، والذين جمعتهم الظروف المؤقتة بصحبة بعض مدراء التصوير والممثلين .
ولقد أكد مدير المهرجان بأن الفكرة قابلة للتطوير ، حيث ستعرض مستقبلاً أفلام عربية متنوعة ذات طبيعة كلاسيكية .
ونحن بصدد الإشارة إلى الندوات ، لابد من التطرق إلى ندوة خاصة باسم ( درس في السينما) وتعتمد على محاضرة ألقاها المخرج قيس الزبيدي ، تطرق فيها إلى تجربته في الإخراج منذ سفره من العراق إلى سوريا ثم إلى ألمانيا .
بالطبع كان من الممكن أن تكون مجمل الندوات في صورة أفضل ، ولكن واقعها كان مقبولاً وربما أسهمت بشكل أو بآخر في إنجاح مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة .
هكذا بدأ مهرجان الإسماعيلية السينمائي هادئاً وأظن أنه حقق نجاحاً لافتاً للنظر في انتظار نجاح أكبر ! .

الاثنين، 7 مايو 2012



شعاع مرسل
من الغرفة المظلمة
حديث عن الوجد الفوتوغرافي

مجنونة أم حكيمة ؟ قد تكون الفوتوغرافيا هذا أو ذاك ، حكيمة لو أن واقعيتها تظل نسبية ومخففة بالعادات الجمالية أو التجريبية ، مجنونة لو أن هذه الواقعية مطلقة ، ولو يمكننا القول أصلية ، تعمل على إعادة الحرفية إلى الوجدان العاشق المرتعب ، حركة تقليب صارم ، يحوّل مسار الشيء سوف أطلق عليها كي أنهي حديث الوجد الفوتوغرافي .
اسم الكتاب ( الغرفة المضيئة) والمؤلف هو رولان بارت ، الفرنسي ذو النزعة التحليلية التأملية ، والتي اشتهر بها منذ أصدر كتابه (الدرجة الصفر للكتابة) والذي ترجم إلى العربية بعدت طبعات .
تتميز أعمال الكاتب رولان بارت، بالتعددية ، فهي تزيد عن خمسة عشر كتاب في الأدب والتحليل والقراءة المفتوحة ، المعتمدة على السيمياء . وهكذا نجد كتباً في النقد الأدبي وأخرى في الموضة وثالثة في التصوير وفي الميثولوجيا والتاريخ الحضاري . ومن ذلك ـ درجة الصفر للكتابة ـ ميثولوجيات ـ خطاب عاشق ـ درجة الخصائص الشخصية للمثقفين ـ النقد والحقيقة ـ شذرات ـ مقالات نقدية ـ سوليدز الكاتب ، وغير ذلك من الكتب .
رغم ذلك لم يكن بارت منظراً فلسفيا بمعنى الكلمة ، لأنه لم يسع إلى بناء نظام من الفكر مثل ـ سارتر ـ بل عمل على الانتقال من نظرية إلى أخرى ومن فكرة إلى فكرة .
لقد استخدم أجهزة تحليلية متداخلة (لسانية ـ بنيوية ـ علاماتية) ، وفوق هذا، فهو ذلك اللغوي البارع الذي اعتنى بالأدب ، فكان أحيانا أديباً أكثر منه ناقداً .
أظن أن هذا الكتاب ( الغرفة المضيئة) من أواخر كتبه ، فقد صدرت طبعته الفرنسية الأولى عام1980م. أما الترجمة العربية فقد صدرت متأخرة نسبياً عن المركز القومي للترجمة في مصر عام 2010 ، وقد قامت بها هالة نمر ، أما المراجعة فقد قام بها أنور مخيث مترجم كتاب ( نقد الحداثة) لـ"الآن نورينا".
سوف يكشف الكتاب عن صورته عبر إهداء مشروع يقول ( إجلالاً لخيال سارتر) وسوف نجد أيضاً عنواناً جانبياً : تأملات في الفوتوغرافيا.
أما مدخل الكتاب فيحتوي على صورة بولارويد بعنوان دانيال بونتييه لعله ملتقطها وقد كتب التاريخ1979.
كل ذلك يجتمع مع صورة فوتوغرافية وضعت على غلاف الكتاب وقد تكررت في الداخل  الصورة بعنوان(الجرو) وهي لكيرتيز ، وهو مصور اختيرت له عدة صور .
تحت الصورة هذه (غلاف الكتاب) نجد قراءة مؤداها أن الصبي في داخل الصورة لا ينظر إلى شيء ، بل يمسك بجرو صغير يضعه في موازاة جسمه وتنبعث من داخله نظرة تعبر عن الخوف والحب .
إن كل الصور الموجودة بالداخل هي صور للقراءة المبدئية الأولية وليست للتحليل المطوّل . ولكن لا يعني ذلك أن موضوع الكتاب نقدي وفكري لأن الطريقة والصياغة والأسلوب ، ثلاثية يسيطر عليها النزوع الذاتي ، فالقارئ بذلك يشتبك كثيرا مع التفاصيل الذاتية الخاصة بـ(رولان بارت) ، ليس على الصعيد العائلي فقط ، ولكن يستثمر الكاتب علاقاته وقراءاته من أجل الاقتراب من الفوتوغرافيا .
نتصفح الفهرس ، فترشدنا الموضوعات إلى المحتوى ، ولقد سار النص بالترقيم من 1 إلى 48 . أما الفهرس فهو يشمل عنوانين من 1 إلى 48 أيضاً ولا نعرف مبرراً لعدم إيراد العنوان في داخل المتن ، إلا القول بأن المؤلف قد سعى إلى ترتيب هذه الوضعية باختياره في الكتيب الأصلي ، وسار الكتاب المترجم على نفس المنوال .
يبدو الكتاب أحيانا وكأنه يتطرق إلى بديهيات عامة يمكن أن تستنتج للوهلة الأولى ، كالقول مثلاً بأن الصورة تكرر ميكانيكا عالم يتكرر وجودياً .
ذلك لأن ما تنسخه الصورة لا يحدث إلا مرة واحدة ، وكالقول أيضاً بأن الصورة لا تتمايز عن مرجعيتها بمعنى أن الفوتوغرافيا تحمل دائما مرجعها .
لكن رغم ذلك فالفوتوغرافيا اتجهت لأن تكون مبحثاً عند الكاتب ، لم يتصاعد لكي يكون فلسفياً ، غيرانه مرتبط بعلوم أخرى وقبل كل شيء بالكثير من الذاتية والانفعال .
يقول رولان بارت : هناك ثلاثة مقاصد للصورة .. أن تفعل . أن تتحمل . أن تتطلع . وهذا يعني وجود الفاعل والمشاهد والمرجع وهو موضوع الصورة والذي يعتني به المؤلف بشكل خاص . حيث يعني الموضوع (هالة العمل المصور) أو ذلك المجال الشبحي للصورة .
وهكذا يبعد بارت منظور المصور ويبقى على التعلّق بالخبرة الموضوعية لما يمكن أن يشاهد ، وكذلك خبرة الذات أي ذلك الشخص الذي يتأمل الصورة .
يقول بارت : ( إن صورة المصور كانت على العكس موصولة بالرؤية المتقطعة لشباك غالق الغرفة المظلمة ، ولكن بسبب ذلك الانفعال لم استطع الحديث عن الفوتوغرافيا ، لأني لم أتعرّف عليها أبداً ، لم استطع الانضمام  إلى هذه الجماعة التي تتعامل مع الصورة من منظور المصور ، لم أمتلك تحت تصرفي سوى خبرتين : خبرة الذات المشاهدة وخبرة الموضوع المشاهد ) .
يتراوح بحث الكاتب في موضوع الصورة إلى اقترانها بالحضارة ثم بالغرابة وهي تكملة للرسم وفن المنمنمات ، ولعل ظاهرة مشاهدة الإنسان بجسده فيها علامة على انفصال مراوغ للهوية .
عبر التاريخ يطرح  السؤال من يملك الصورة ، هل هو المصور ؟ أم أنه الموضوع ، والإجابة تظل مفقودة ، ذلك لأن الشخص موضوع الصورة تتجاذبه أطراف عديدة فهو شخصيات متعددة . إنه الشخص نفسه ، والشخص الذي يواجه المتفرج والشخص الذي رأى المصور بأنه الموضوع الفعلي ، ثم الشخص الذي استعمل للاستعراض الفني .
وهكذا تصبح الصورة ذات المعنى السطحي أبعد غوراً مما نتصور لأنها تركيبة متنوعة من الأشياء والأشخاص .
يبحث الكتاب في صورة الوجه بالدرجة الأولى ولكن هناك أشياء وتظهر بين الحين والآخر ولكنها مرتبطة بالأشخاص . والأهم أن هناك بعض النقاط غير الواضحة ، وبالتالي فإن الغموض يظهر ويختفي في تعابير الكتاب ، لأن الصورة نفسها بها الكثير من الغموض : هذه اللحظة شديدة الغموض ، حيث للحق أقول لا أكون ذاتًا ولا موضوعاً ، لكن بالأحرى ذاتً تشعر أنها تصير موضوعاً ، أعيش من ثم تجربة مصغرة للموت ، أصير بالفعل طيفاً ، يعرف المصور ذلك جيداً .
وهنا يقرن المؤلف بين الصورة والموت ... كيف ؟ .
لأن الصورة يصنعها الآخرون ، عندما ينظرون إليها ويتلاعبون بها أحياناً ، إنها تصبح شيئاً مختلفاً عن الأصل ، والأصل يصبح مفقوداً ، بمعنى أن صاحب الصورة يموت بحقيقته ، فالصورة تقتل صاحبها ! .
ومما ينقله المؤلف عن سارتر قوله : ( تحدث حالات تتركني الصورة فيها في حال من اللا مبالاة إلى درجة إنني لا أتحقق حتى من كونها صورة . الصورة هي التآلف المبهم لموضوع ، والأشخاص في الصورة يتشكلّون تماماً بصفتهم شخوصاً، ولكن فقط بسبب مشابهتهم للبشر دون أي قصدية خاصة . يترددون بين مراس الإدراك . ما بين العلامة والصورة ، دون الدنو نهائياً من أيهما ) .
بين الحين والآخر ، يستدعي رولان بارت صورة معينة ، يتناولها بالقليل من المعلومات ، على سبيل المثال ، صورة ملتقطة عن بُعد ، ينسبها لمراسل هولندي يدعى كوين فيسنيج في نيكاراجوا عام 1979 ويقول بأنها استوقفته أو إنها موجودة لا أكثر ، حيث لا تحليل ، وتشمل الصورة جنديان على اليمين وراهبتان على اليسار وجندي آخر يترك لوحده ، وفي صورة لنفس المراسل ، نجد الثنائية تتكرر ولا تفسير خاص ، بينما توصف صورة أخرى بأنها جميلة ولكنها لا تستوقف الناظر ، ومن خلال الغياب يعدم الوضوح ، فينبعث المفهوم المستحدث الذي ينحته الكاتب . يسمى ذلك بمصطلح(الستوديوم) وهي كلمة إغريقية قديمة
يُقصد بذلك التطبيق على شيء ما ، أو المذاق الذي يشعر به شخص ما ، إنه شروع في محاولة فهم ولكن بطريقة عجلى وبلا بصيرة نافذة ، أي بلا دراسة . إنه حالة تذوقية يعيها الإنسان في شكل ما وفي إيماءة وفي بعض الوجوه والزخارف وكذلك الأفعال .
وفي مجال مقارب لذلك لتحديد الإيقاع داخل الستوديوم يتم الحديث عن العنصر الثاني والذي يُقصد به ما ينبعث من الصورة من شعاع أو معنى أو سهم أو وخزة أو علامة وهنا نجد أمامنا مصطلحا جديدا ، من نحت المؤلف ، يعتمد على كلمة إغريقية ليست زمنية والمقصود هو(البونكتوم) إنها كلمة مثل الثقب أو البقعة أو بالأصح رمية النرد .
بصورة أكثر وضوحاً يقول الكاتب عن الستوديوم " أنه الحقل الرحب للرغبة الفاترة ، للاهتمام المتنوع ، للمذاق المتناقض" وهكذا يدخل الميل وتدخل الجاذبية والرغبة ولكن بغير حماس .
بمعنى آخر يعد الستوديوم تربية ومعايشة لمقاصد المصور ولكن بدون الإيمان المطلق بها يشير المؤلف رولان بارت إلى بعض الفروقات بين الصورة والكلمة ،ذلك أن الكلمة تأملية وصفية ، بينما الصورة تستقر في التفاصيل وأحيانا المعرفة الأثنولوجية. وهنا يتحدث بارت عن نوع معين من الصور أشتهر في عقود معينة، ونقصد به ذلك النوع الذي يقدم معلومات حول الملابس مثلا والوجه ونوعية الخلفية واستخدام الأشياء والأدوات ، وبهذا المعنى فإن الصورة تقدم معرفة أو معلومة .
هناك صورة يذكرها الكاتب وينشرها الكتاب بهذا المفهوم ، إنها للمصور (وليام كلاين) وقد التقطت عام1959 بموسكو ، وهي توضح عدة شخصيات من خلال القبعات على الرؤوس أو أشكال قصة الشعر ، وبذلك سوف نجد أمامنا في الصورة أكثر من سبعة رؤوس وكل رأس مختلف عن الآخر .
والواقع أن هذا المفهوم (المعرفي) يشير إلى الفوتوغرافيا التي تقدم معرفة تحتية بسيطة ، تفاصيل حول السكان وملابسهم وطرق وأساليب عملهم ، كيف كانت الأظافر والأحذية وغيرها ، والصورة هنا أفضل من رسم البورتريه طبعاً ، أي أننا نقول بأن السينما(الصور المتحركة) تبقى هي الأفضل في هذا المجال ، وكما قلنا فإن ذلك ليس إلا مرحلة أولى ، فما تقدمه الصورة في القرن الواحد والعشرين يشير إلى مدلولات سياسية تكشف عن الأسرار بالدرجة الأولى وخصوصاً وأن التواصل على مستوى الاتصالات وتبادل المعلومات ، قد جعل الصورة تتراجع في مجال تقديم المعلومات .
يكرر بـارت في ثنايا الكتاب ذلك الربط غير الواضح بين الصورة والموت ، ولا سيما عند جمع المسرح مع الفوتوغرافيا ! "الصورة الفوتوغرافية هي مثل المسرح البدائي ، مثل لوحة حية ، مثل مجازية الوجه الساكن المخضب الذي نداء الموتى تحته" .
على المسرح نجد بعض الممثلين في حال انفصال عن الجماعة ، لأنهم يقومون بدور الموتى. سوف نجد التمثال النصفي الطوطمي وقناع النو الياباني وسوف نجد راقص الكاتا كالي الهندي والذي يغطي وجهه بمسحوق عجينة الأرز ، وهكذا تتخذ الصورة شكل البحث عن الموت ، بل القول بأن هذه الصورة حية يذهب بنا إلى تعبير الموت أيضاً .
من جانب آخر تعتمد الصورة على الصدمة أي الحدث بحركة غير منتظرة ، وذلك يذهب بنا إلى علاقة الصورة بالندرة بمعنى البحث عن النادر والغريب . أيضاً تعتمد الصورة على فكرة تثبيت نقطة معينة لا يمكن للعين العادية أن تكون بديلاً لها ، وهكذا نجد ما يطلق عليه بحسب تعبير الكاتب(القوة السحرية) والمعنى هنا يقصد به تجميد الصورة لمشهد معين .
هناك أيضاً الإبهار المرتبط بصور معينة ، وهذا له علاقة بالخداع البصري واستغلال العيوب التقنية وكلها عوامل تصب في فكرة المفاجأة في الصورة.
وبالطبع يذكر المؤلف عشرات الأمثلة للصور والتي صورت من قِبل مصورين ومراسلين وفي آخر الكتاب نقرأ ثبتا بذلك ، ومن عناوين هذه الصور :
1-       الحمراء غرناطة لـ"شايز كليف ورد ـ (1854-1956) " .
2-       بورتريه عائلي لـ"جيمس فان درزي ـ (1926) " .
3-       الأول من مايو لـ"وليام كلاين ـ (1959) " .
4-       موثق رسمي لـ"ساندر" .
5-       لحن عازف الكمان لـ"أبوتي ـ المجر ـ (1921) ".
6-       أم الفنان أو زوجته لـ"نادارـ (1957) " .
7-       المائدة المنصوبة من صور المتحف (1822) .
8-       الجرو لـ"كيرتيز ـ (1928)".
كما أن الكتاب يضيف أسماء المصورين الأصلية ، لمن أراد الاستزادة .
هناك بعض الأفكار التي يطرحها الكاتب بصفته باحثا ينزع نحو الانتروبولوجي ومن ذلك فكرة القناع ، ففي صورة بعنوان(مولود عبداً) يظهر الوجه(بورتريه) وكأنه قناع لجوهر العبودية ، والربط هنا شديد بين الصورة والرسم ومجال الأنتربولوجيا ، بينما تأتي صورة ساندر والتي عنوانها (موثق عقود) مختلفة ومعاكسة ، لأن الوجه فيها لا يشير إلى الحقيقة والمقصود الوجه غير المتوافق مع العرق الأصلي للنازية .
ان المشكلة المثارة تطرح عندما تنطق الصورة بالمعنى أكثر من اللازم بمعنى أنها صورة تدعو للتبصر وتدبر المعنى ، والصحافة أحياناً لا يستهويها هذا النوع من الصور غير الانقلابية .
عن صورة(الحمراء)لـ"شارل كليفورد" ، حيث المنزل الريفي بغرناطة يقول المؤلف الكثير ، ويجعل الصورة سكنية وليست سياحية ، لأن صورة المكان أو المنزل و البيت تدعوك إلى الحلم بالسكن فيه فعلياً وليس مجرد التمتع السياحي بمنظره .
اسم الصورة(أو أن أحيا هناك) في إثارة إلى الرغبة بالسكن هناك ، وهذه الرغبة (تتعلق بنوع من التبصر يحمل على السير إلى الأمام .. أو نحو الوراء .. في حركة مزدوجة أنشدها بودلير في الدعوة إلى السفر والحياة السالفة . هناك يقين يدفع بأن المكان قد سبقت زيارته أو الوجود به ، أو القول بأن هناك ما يدفع نحو الذهاب إليه مستقبلاً ، هذا هو المكان المؤثر في أي صورة وربما أي لوحة ذات قيمة عالية ، إنه مكان حميم ، سبق لنا التواجد داخله ، كما فعلت صورة الحمراء ، بهذا المنزل الذي يشدنا إليه وكأنه رحم يستنهض الأم بداخل المشاعر على حد تعبير فرويد .
1-       يقول المؤلف مختصراً بعض تصوراته الأولية نحو الصور التي يمر بها من صفحة إلى أخرى في الكتاب :" كان عليّ أن أغوص أكثر في نفسي ، التي اكتشف بداهة الفوتوغرافيا ، هذا الشيء الذي يراه أي شخص وهو يتطلّع إلى صورة ما ، والذي به يتميز في عينيه عن أي صورة أخرى ـ لابد لي أن اقدم اعتذاري وتداركي للأمر" .
يتحول الكتاب إلى معالجة ذاتية لمسألة الصور ، بين الأم والذكريات القديمة وربما صور أقدم للعائلة ، ولا مانع من استحضار أسماء بعض الكتاب عندما تقترب المعاني من بعضها ، سوف يظهر بروست وفاليري وبريخت في حدائق الشتاء لتواسي الكاتب والذي يبدو وكأن تأليفه للكتاب قد جاء من هذا المنطلق ، منطلق التعلق بصور الأم القديمة .
يقول الكاتب :" إن طبيعة كل صورة متزامنة بشكل ما مع مرجعيتها ، ليكتشف ذلك التزامن مرة أخرى من جديد ، مأخوذاً في غمار حقيقة الصورة ، ولذا وجب عليّ قبول الجمع بين صوتين صوت المألوف وصوت التفرد" .
يربط مؤلف الكتاب بين الميتافيزيقا والصورة ، ومرة أخرى تلوح لنا علامة الموت ، فالصورة تسمح بتقدير الحياة والموت وربما تدلنا على الانقراض ، الصورة محاولة للبقاء ضد الانقراض والتلاشي .
والسؤال يعلن عن نفسه .. أين ذلك الشخص الذي يظهر في هذه الصورة أو تلك ؟
لقد كان يوما ما هنا ! ونظن أنه موجود في مكان ما .
يعيد المؤلف رولان بارت طرح بعض القضايا حول الصورة الفوتوغرافية ، ولا مانع أيضاً من النظرة الأدبية التي تطلبت مقارنة بين الكلمة والصورة أو بين الأدب(الرواية) والصورة ، ومن هنا برز المنحى الأدبي للكتاب .
من ضمن الإضافات ، الربط بين الجنون والصورة ، ويتعرض المؤلف إلى فيلم فيلليني(كازانوفا) في مناقشته لهذا الأمر ، بينما في جهة أخرى موازية يحاول المجتمع(أي مجتمع) أن يضفي الحكمة على الصورة من خلال(تلطيف الجنون) وذلك بطريقة الاقتراب من العين ، وان ربط الفن بالفوتوغرافيا ، وكذلك بطريقة التصميم والتجميع وجعل كل الصور مألوفة بحيث لا تتميز صورة عن أخرى ، حيث الصور أكثر حيوية من الناس وكل شيء يتحول إلى صورة .
يقول الكاتب :" ما يميز المجتمعات التي يقال أنها متقدمة ، هو أن هذه المجتمعات تستهلك اليوم صوراً ، ولم تعد مثل تلك القديمة ، تستهلك عقائد ، إذن هي مجتمعات أكثر تحرراً وأقل تعصباً ، ولكن أيضاً أكثر زيفاً ، أقل أصالة ، وهو ما نترجمه في الوعي السائد بالاعتراف بتأثير الضجر المثير للغثيان ، كما لو أن الصورة بتصميمها أنتجت عالما بلا اختلافات " .