الخميس، 4 نوفمبر 2010


"سولت".. امرأة غير قابلة للذوبان


تذكرت وأنا أشاهد هذا الفيلم "سولت ""إنتاج 2010" لمخرجه فيليب نويس، أكثر من فيلم دارت أحداثه حول إنقاذ الأرض من الخراب والدمار الذي يمكن أن تتعرض له في أيّ وقت.

والواقع أن فكرة تدمير الأرض قد تجسدت على الشاشة منذ عقود كثيرة، بداية من"حرب العوالم" مثلا في صورته الأولى والثانية، فضلا عن وجود تلك الكائنات الخارجية التي تسعى دائما لضرب الكرة الأرضية، وفي أكثر الأحيان هناك من يسعى الى هذا التدمير من داخل الأرض نفسها، ولعل ذلك يعود الى اختراع القنبلة الذرية ثم النووية وهي إشارة الفزع التي لم تستطع السينما التخلص منها، ويمكن أن نذكر مثلا ذلك الفيلم الشهير لستانلي كوبريك"الدكتور سترا نجلاف ""1964"،ثم أفلام أخرى تضع الرئيس الأمريكي دائما في الواجهة مثل " يوم الاستقلال" وغير ذلك من الأفلام..

سنرى في هذا الفيلم "سولت" الكثير من التفاصيل التى سبق تقديمها، بل هو إعادة لبعض هذه التفاصيل، وهذا هو حال السينما في اختيار موضوعاتها، في تقارب وتباعد وتكرار أحيانا ولكن بمعالجات مختلفة يقبلها الجمهور ويقبل عليها بدون إثارة أية أسئلة أو شكوك، بل هي لعبة التسلية ولا شيء غيرها.

هذا ما حدث مع فيلم "سولت" الناجح جماهيريا، رغم أنه لا يخرج عن كونه تكرار لبعض الوقائع والأحداث المتداولة، مع إضافات أخرى سبق للجمهور أن تابعها لنفس بطلة الفيلم "انجيلينا جولي"والتي اشتهرت بأفلام الحركة في مرحلة أخيرة.

وكانت أن قدمت فيلم "لارا كروفت" في جزئين ثم قدمت أفلام أخرى مثل"مطلوب" والفيلم المعاد إنتاجه "السيد والسيدة سميث" والحقيقة أن هذه الممثلة قد ظهرت فى صورة أخرى مختلفة ناجحة مثل الخطيئة الأساسية – بيوولف – الاسكندر" ولكن أفلامها الأخيرة، أكدت نجاحها في أفلام الحركة والعنف والمغامرة، وقد ساعدها على ذلك رشاقة جسدها، وشكلها الخارجي، وأيضا الوجه الذي يجمع بين الجمال والوحشية في نفس الوقت.

في فيلم"سولت" هناك تركيز واضح على التفاصيل المذكورة، لأن جسد الممثلة هو الذي يملأ الشاشة في أغلب الأحيان، ولذلك تظهر بوضوح الجزئيات القريبة، مثل الشفاه والخصر والذراع وكذلك الشعر والعيون ولكن لم يسقط الفيلم في الاستعراض الجسدي، واهتم بجوانب أخرى لها علاقة بموضوع الفيلم نفسه وتفاصيله الدقيقة.

في أول الفيلم نرى مشهد تعذيب في كوريا الشمالية، للفتاة نفسها "سولت" وهي تؤكد تحت التعذيب بأنها ليست عميلة أمريكية،وبالفعل تخرج من المعتقل ويتم مبادلتها بسجين كوري لتعود الى بلادها أمريكا.

وسوف لن نجد لهذا المشهد أية أهمية، لأنه مجرد مقدمة للتعريف بهذه الجاسوسة، ولن يستفيد الفيلم مما قدم في تتبعه لباقى الأحداث – حيث لا علاقة لكوريا الشمالية بقصة الفيلم، إلا من باب إدماج هذه الدولة في لعبة العداء لأمريكا والاقتراب من التحالف الذي يهدد العالم.

مثلما تصورنا مسبقا بأن هناك بعض الكائنات تحاول أن تندمج داخل المجتمع الأمريكي بغاية تدمير الدولة وأحيانا تدمير العالم، وهي كائنات معادية قادمة من الفضاء الخارجي وتمثل من حلقات الشر، حسب التصور الامريكي، سوف نرى في هذا الفيلم كائنات روسية شبيهة بذلك.

إنها خلايا متفرقة تقوم على أفراد أمريكان، تم تجنيدهم في عقود الحرب الباردة بعد أن نقلوا من بلادهم وتدربوا مع مرور الوقت، ليصبحوا جنود أقرب الى الأشباح أو بالأصح عملاء نائمون، يمكنهم ان يستيقظوا فى أي وقت لاقتناص الفرصة وأحداث الكارثة الكبيرة. يقول الفيلم بأن الفتاة "ايفلين سولت" إنها إحدى ضحايا التجنيد الروسي للعملاء من الأمريكان.

فقد جندت وهي صغيرة وخضعت للتدريب تحت إمرة إحدى القادة الروس وهو" أورلوف"، وتبدأ الأحداث فعليا عندما يحضر هذا القائد الى أمريكا هاربا ويبلغ دوائر المخابرات الأمريكية بأن" سولت" والتي تعمل في هذه الدوائر إنما هي جاسوسة روسية، ولم تستطع "سولت" هذه أن تقنعهم بأنها عميلة مزدوجة، وظلت تحاول طوال مدة الفيلم إقناع الآخرين جميعا بأنها ليست جاسوسة روسية أو مجندة نائمة، لكنها أمريكية تخدم لمصلحة دائرة الاستخبارات المركزية تحت إدارة رئيسها المباشر "تيدونيتر" والذى يقوم بدوره الممثل "ليف شرايبر".

هناك مشهد داخلي تحاول فيه "سولت" الخارقة اقتحام الأخطاربمفردها وتنجح في ذلك، لتبدأ بعد ذلك سلسلة المطاردات بحثا عن سولت. وهي مطاردات تحدث في الشوارع، حيث السيارات والطرق الواسعة والعربات الكبيرة.

ومن الواضح أن البطولة هنا تصل الى درجة المبالغة المطلقة، حيث تقوم "سولت" بكل المعجزات لكي تتمكن من الهرب، ومن ذلك القفز من أعلى العربات وتسلق الجدران في العمارات العالية، وكل ما يمكن أن ينسب الى أبطال الأفلام الأخرى المعروفة مثل"توم كروز "مثلا في سلسلة أفلام "مهمة مستحيلة" أو الممثل "مات ديمون" فى سلسلة أفلام"الهوية بورن"، ويمكن القول بأن بطولة الفيلم كانت على قياس ممثل "رجل" لكنها تحولت مع بعض الإضافات الجديدة الى بطولة امرأة خارقة.

بصرف النظر عما إذا كانت المشاهد مقنعة أو غير مقنعة، فالفيلم ومن خلال التنفيذ الدقيق يبدو جيد الصنع، وليس ذلك بغريب على المخرج "فيليب نويس" الذي له تجارب كثيرة في أفلان المغامرة والحركة"الأكشن"، ومن ذلك مثلا فيلم "القديس" 1997 وفيلم "سيلفر" 1993 وفيلم "جامع العظام"، مع نفس الممثلة 1999 وفيلم "الأمريكي الهادىء" 2002.

وهكذا تسير أحداث الفيلم بهدوء وتسلسل مونتاجي مريح للمتفرج، ويأتي التشويق، هو سيد الموقف دائما، فلا توجد لحظات فراغ في الفيلم، في بيت سولت مثلا، تستطع الفرار من متابعيها، ولاسيما وهي تكتشف أن زوجها قد تم القبض عليه، ثم أطلق سراحه، لتلتقي ببه من جديد، ومن الواضح أن دور الزوج "مايك" ليس له ضرورة بالنسبة للفيلم، لأن من شروط العمل بالنسبة للجاسوسة ألا تكون متزوجة.

يدفع الفيلم بالأحداث نحو المزيد من الحركة وممارسة القتل، فكل حدث يؤدي الى حدث أكثر عنفا، حتى الوصول الى مبنى القداس الديني الخاص بجنازة نائب الرئيس الامريكي. يقول الفيلم بأن الرئيس الروسي، سوف يشارك في جنازة صديقه نائب الرئيس الامريكي، وأن هناك معلومات تكشف بأنه سيتعرض لمحاولة اغتيال، وفعلا تتم المحاولة عن طريق سولت ورغم نجاحه في ذلك إلا أن الرئيس الروسي لا يقتل.

عند لقاء سولت مع معلمها الروسي "اورلانوف" تمرّ بتجربة امتحان، لكي يتم إثبات صدقها وإخلاصها لتحقيق الأهداف الروسية، وتتمكن بعد ذلك من قتل معلمها، لتكمل دائرة الانتقام التي تعيشها، حيث نعلم وعن طريق لقطات الرجوع للخلف "فلاش باك" وبشكل سريع بعض تفاصيل حياة سولت وهي في روسيا، صغيرة السن، ومن هذه التفاصيل قتل أسرتها لإجبارها على العمل جاسوسة وعلى الحياة بشكل منفرد وإخضاعها لنظام صارم من التعليم، ثم زواجها من مهندس معماري ضد رغبة الجهات الاستخباراتية.

وهنا تبدو لقطات "الفلاش باك" وكأنها محاولة لشرح بعض الجزئيات من حياة سولت، فهي أولا لا تتكلم كثيرا، ولا يوجد ما يبرر تصريحها بجوانب من قصة حياتها، رغم وجود الراوي أحيانا في مرحلة مبكرة.

مثل كل لقطات الفلاش تستخدم للتفسير والتعليل، وبذلك تبدو" سولت" وكأنها مدفوعة للانتقام من الروس، فهي موالية لهم شكلا وعدوة لهم فعليا، حيث أظهرها الفيلم في النهاية باعتبارها المخلص الامريكي لكل الشرور التي يمكن أن تصيب العالم.

في هذا الجانب وغيره يسير الفيلم نحو عدة اتجاهات.. أولا العودة الى ما يسمى بالحرب الباردة بين أمريكا وروسيا، ولا شك أن التقارير الحقيقية البحثية التي تقول بعودة النفوذ الروسي أو الخوف من عودته، تؤكد على هذا المنحى، فالتوقعات كثيرة بالنسبة لإمكانية نهوض روسيا من كبوتها السياسية، بأن تصبح الطرف المناوىء لأمريكا.

ثانيا: هناك اتجاه آخر يربط الفيلم بالمتغيرات الجديدة بعد أحداث 11سبتمبر/أيلول، والمقصود بذلك محاولة تشويه الدور الامريكي، كما تدعى دوائر الإعلام الأمريكية. ونهاية الفيلم تكشف عن كل ذلك، وما تقوم به سولت يبرز وجه أمريكا الايجابي، لأنها تدخلت لإيقاف تدمير بعض المدن الإسلامية مثل طهران ومكة. وكذلك 9 مليون مسلم كما يقول الفيلم.

ثالثا: مثل أكثر الأفلام الأمريكية، لا تظهر السياسة صريحة ومباشرة، فنحن إزاء فيلم مليء بالمغامرات غير المنطقية، ويعتمد على الفردية المطلقة في البطولة، ويتواصل مع الجمهور اعتمادا على ذلك، ولا مانع من أن تظهر بين الحين والآخر بعض "الموتيفات" السياسية التي تخدم الفيلم ليس إلا، وليس لها علاقة مباشرة بالواقع السياسي ومجرياته.

عندما يقترب الفيلم من نهايته، تتدخل "سولت" وتتمكن من التسلل الى البيت الأبيض وتعمل على إيقاف الصواريخ في اللحظة الأخيرة لانطلاقها ونكتشف بأن رئيسها في العمل مخبر أيضا في العمل لصالح روسيا، فهو أحد الأشباح التي يقدر لها أن تظهر بين الحين والآخر، ولقد استخدم الفيلم كلمة "سولت" لتدل على معنى ذوبان هؤلاء العملاء في المجتمع الامريكي بحيث لا يشعر بهم أحد. رغم أنه اسم علم على أية حال.

فى آخرالفيلم تسعى "سولت" لتقل العميل "تيد وينتر" ويتم القبض عليها لكن زميلها "بيبودي" يطلق سراحها بعد اقتناعه ببراءتها، ولتبدأ مهمة البحث عن باقي العملاء الآخرين.

مثل العادة يظهر الأمريكي هو المنقذ من كل الأخطار التي تواجه أمريكا أو تواجه غيرها من الدول فى يوم الحسم والذي ساماه هذا الفيلم اليوم المجهول.

أما لماذا تم اختيار "مكة وطهران" باعتبارهما أهداف عسكرية لضربة يقودها عملاء روس وأدوات وأجهزة أمريكية، فذلك يرجع الى محاولة إبراز أمريكا وكأنها في حالة دفاع عن الإسلام من خلال "السنة والشيعة" والحقيقة أن الدعاية في هذا الفيلم تصل الى حدودها القصوى، ونقصد بذلك الدعاية السياسية "البربقاندا"، ولولا نسبة الخيال العالية لاعتبر هذا الفيلم مجرد استمرار لما أنتج في السابق من أفلام حاولت فيها هوليوود أن تكون بوقا سياسيا لما يعرف باسم مظاهر التفوق العنصري بالادعاء، حيث لم تسلم منها أية جنسية غربية و شرقية.

فى آخر الفيلم تتحول حركة الممثلة" أنجيلينا جولي" الى ما يشبه الأسطورة وهي تخرج من الماء بعد سقوطها من الطائرة وتظهر بين الأشجار وراء خلفية موسيقية اوبرالية، وكأن ما قامت به أحد المستحيلات وذلك لإضفاء مظاهر القوة والتأثير على هذه الشخصية تمهيدا لإبرازها في دور آخر جديد بنفس الشخصية والاسم"ايفلين سولت" وباعتبار الفيلم يقوم على شخصية امرأة، فلم تبرز إلا "أنجلينا جولي" في الفيلم. ولكن لابد من الإشارة الى الممثل "ليف شرايبر" والذي لعب دور العميل "تيدوينتر"، فهو الشرير الذي يطرحه الفيلم في مواجهة المرأة الغارقة سولت. أما باقي الأشرار فهم نائمون الى حين يطلب منهم الاستيقاظ وهو ليس ببعيد على كل حال
.

ليست هناك تعليقات: