الاثنين، 22 مارس 2010

أفلام الإنتاج السينمائى المشترك







بدايات باهتة ونهائيات حائرة


"أفلام الإنتاج المشترك فى السينما المصرية" هو آخر الكتب السينمائية الصادرة ضمن سلسلة آفاق السينما "الهيئة العامة لقصور الثقافة – مصر" وهو الكتاب الذى يحمل رقم (60) من السلسلة، وقد جاء الكتاب فى حجم يتعدى أربعمائة صفحة وبغلاف متميز (بوستر فيلم "اسكندرية كمان وكمان" للمخرج يوسف شاهين والفيلم هو أحد الانتاجات المشتركة للسينما المصرية.مؤلفه الكتاب هى الناقد السينمائية أمل الجمل، كاتبه ومعدة برامج ولها عدة سيناريوهات وقد سبق أن صدر لها كتاب (بعيون امرأة) 2007 وأيضا كتاب بعنوان فيلموجرافيا السينما العربية المشتركة) 2008 عن المجلس الأعلى للثقافة.

لعل أهم ما يلفت انتباهنا فى الكتاب موضوعه. حيث يتطرق الكتاب الى الإنتاج المشترك فى السينما المصرية من عام 1946 الى عام 2006 فى محاولة لتتبع هذا الإنتاج منذ بواكيره الأولى المحتشمة الى مراحله المتأخرة النشطة نسبيا. وبالطبع علينا أن نلحظ هنا بأن الكتاب يتسم بنوع من الأكاديمية، لنه جزء من رسالة أكاديمية جامعية، وبالتالى فإن الحرية فى التعامل مع هذا الموضوع تبدو محدودة لأن المرجعية دائما الى المواد السينمائية المحايدة أو التى تتطلب قدرا كبيرا من الحياد فى النقل، وفى ذلك الكثير من الايجابية، لأن مهمة الكتاب صارت تدور فى أفق تقديم أكبر قدر من المعلومات حول الإنتاج المصرى المشترك، من خلال الأرشيف والوثائق والنقاط الآراء بصورة مباشرة من أصحاب الشأن والنقاد.

بهذه الصورة سوف نقرأ كتابا محسوبا بدقة، المرجعية فيه الى آراء الآخرين، وحتى إذا كان هناك رأى شخصى للكاتبة فهو رأى محتشم، يتسلل عبر ثنايا الكتاب وتفاصيلها والأهم أنه رأى لا يساير الموجة التقليدية من الادعاء النقدى، بل يحاول دائما أن يختار الأفق الأوسع والنظرة المستقبلية غير الضيقة.

والأهم من كل ذلك أن الكتاب لا يحتوى على دفاع عام من الإنتاج المشترك حيث يدافع كل كاتب عن الموضوع الذى اختاره فى العادة، ولكن هناك الكثير من النقد بهذا الإنتاج وفى مراحل متعددة، وخصوصا إذا كانت النتيجة غير جيدة، ونعنى بذلك قيمة الأفلام المنتجة ومستواها الفني। فى الكتاب الكثير من المعلومات التى يصعب إيجادها مجتمعة فى كتاب آخر، بل ربما أقول بأن هذا الموضوع (الإنتاج المشترك) لم يتم التطرق إليه بشكل كامل من قبل، وحتى إذا قلنا بان الآراء النقدية يمكن أن للنقاد أن يتداولوها فى المقالات الصحفية بالحماس لفيلم معين أو الهجوم على فيلم آخر وبانتقاد بعض التجارب المشتركة أو حسن تقدير قيمتها الفنية فى بعض الأحيان، إلا أن دراسة تجربة الإنتاج المشترك بالنسبة للسينما المصرية لم تنل الاهتمام الواسع أو البحث المعمق، وظلت متواضعة، رغم انها لفتت النظر مع وجود الشركة العالمية ليوسف شاهين وما تبع ذلك من أفلام من أجيال أخرى جديدة.

وفى هذا الجانب، ربما أقول بأن من أهم أسباب مشكلات السينما فى مصر عدم قدرتها على التعامل مع السينما العالمية، بسبب سيطرة النظرة المحلية وكذلك الإحساس بالمخاوف من الأجنبي. وإذا كانت هناك مبررات لكل ذلك فى مراحل معينة ارتبطت بحروب أعوام 1948 – 1956 – 1967) إلا أنه لا تواجد مبررات لهذا الانكماش فى أعوام أخرى متتالية، وبالطبع كان من نتيجة ذلك أن الجوانب التقنية للفيلم المصرى قد أصابها تراجع، بالإضافة الى الجمود فى اختيار الموضوعات، فضلا عن التوزيع الخارجى والذى ظل محدودا ومرتبطا بالبلاد العربية على أقصى تقدير.

يتميز الكتاب بالإضافة الى حسن اختياره للموضوع وطريقة العرض، بأن أسلوبه يتحلى بالوضوح فى نقل المعانى، مع عدم الدخول فى متاهات واسعة، محتجب الوصول الى نتائج محددة، وأشعر بأن هناك الكثير من المعلومات قد تم الاستغناء عنها من أجل إبراز الفكرة الاشمل وهى مسألة الإنتاج المشترك وعدم الاستطراد فى الجزئيات والتفاصيل. ذلك أن كل فيلم يتم اختياره له مشكلاته الكثيرة من حيث يتناول الآراء حوله واختلافها، ولكن لم يمنع ذلك فى وجود بعض الاستطرادات، كما فى فيلم (القاهرة بغداد – 1946) مع عدم وجود مبرر لذلك لعدم أهمية الفيلم من ناحية وعدم طرجه لقضايا تختص الإنتاج العربى المشترك.

وعلينا أن نذكر هنا بأن هناك تعريف وضعته المؤلفة لمفهوم الإنتاج المشترك يقوم على فكرة التعاون المشترك بحسب النسب القانونية بين الأطراف المشاركة، وبحسب ما ينص عليه العقد القانونى المسجل رسميا.

ولكن لا يمنع ذلك من وجود اعتبارات أخرى، وكما أوضحت المؤلفة، تخص الفرق بين الجانب الادارى القانونى والجانب الثقافى، لأن هناك أفلام تحدد هويتها بحسب الاعتبار الثقافى، بمعنى روح العمل نفسه، وهو أمر يرجح كفة المخرج باعتباره الشخصى الذى يحدد هوية الفيلم.

والواقع أن الإنتاج المشترك المصرى مع الدول الخارجية واضح نسبيا وليس به مشكلات، القديم منه والحديث، فالفيلم يمكن ان يكون مصريا أو غير مصرى.

على سبيل المثال فيلم "ابن كيلوباترا" هو فيلم ايطالي شاركت فيه مصر ماليا وتقنيا وفنيا فهو إنتاج مشترك واضح المعالم،. وكذلك الأمر بالنسبة لفيلم (وداعا بونابرت) فهو فيلم مصرى شاركت فى إنتاجه فرنسا.

أما المشكلات الفعلية فى تحديد مفهوم الإنتاج المشترك. تبدأ مع وجود أفلام أنتجت فى منطقة المغرب العربي وخصوصا فى تونس وأحيانا الجزائر حيث يعتبر الفيلم تونسيا أو مغربيا أو جزائريا لمجرد أن جنسية محرجه الأولى أو الأصلية عربية من أحد هذه الأقطار، بينما لا يكون الموضوع أحيانا عربيا، رغم أنه يصور فى المنطقى العربية ، وهذا أمر انطبق أيضا على أفلام فلسطينية وكذلك لبنانية وأحيانا عراقية.

وهكذا يفتح الكتاب الأفق واسعا أما قضايا كثيرة لها علاقة بالإنتاج المشترك، ولاسيما بالنسبة لبعض الدول التى ليس لها صناعة سينمائية واضحة، ولكن لها إنتاج محدود. وهى تحاول أن تجعل من مفهوم الإنتاج مصطلحا مفتوحا حتى تجعل الكثير من الأفلام تنسب إليها. بينما نرى فى مصر الأمر معكوسا لأن مصلحة صناعة السينما فى مصر تضييق معنى مصطلح الإنتاج المشترك، ليس عربيا فقط ولكن عالميا أيضا، هذه نقطة غير مباشرة يمكن أن يثيرها الإنتاج المشترك.

هناك قضية أخرى يثيرها الكتاب، وإن لم يتم ذكرها فعليا، وهى مشكلة المعلومات، حيث تجمع المعلومات من الأرشيف أو من الملصقات، وأحيانا من تيترات الأفلام، وفى القليل من الأحيان، لا تحتوى هذه البطاقات على المعلومات الفعلية والتى لا توجد إلا فى الأوراق الرسمية والملفات الخاصة للأفلام، وما أكثر الأفلام الممولة ماليا من أطراف غير مصرية، لكنها تعتبر إنتاجيا من الأفلام المصرية.

بل هناك أفلام ناجحة عربية، وهى لا تعد من الناحية القانونية والشكلية أفلام عربية، لأنها ممولة ماليا فقط ولا تنطبق عليها قاعدة الإنتاج المشترك وعلى سبيل المثال فيلم الرسالة، العربى ثقافيا لكنه فيلم امريكى انجليزى وهو ما ينطبق على فيلم عمر المختار أيضا।

هناك بعض الأفلام المشتركة بطريقة غير مباشرة، ومن ذلك فيلم (أين تخبئون الشمس) إخراج المغربى عبد الله المصباحى وهو إنتاج مشترك مغربى ليبي مصرى، هناك أيضا فيلم بعنوان إليه يا دنيا – 1994) بطولة وردة ومحمود ياسين وإخراج هاني لاشين وهو إنتاج مشترك غير ظاهر (ليبي مصرى).

ومن تتبع الكثير من أوراق فى الملفات سوف نجد أن بعض الموزعين اللبنانيين يسهمون فى إنتاج بعض الأفلام المصرية بحصص صغيرة.

فى جميع الأحوال بعد هذا الكتاب (الإنتاج المشترك فى السينما المصرية) من أفضل الكتب التى عالجت قضايا سينمائية معينة ومن النادر ان نجد كتابا سينمائيا يتناول قضية ما رغم تعدد ما يكتب حول السينما العربية.

ينقسم الكتاب الى بابين.. الأول باسم سنوات التعثر، حيث نجد فصلا بعنوان الخلفية التاريخية والاقتصادية والسياسية للإنتاج السينمائى المشترك.

ذلك فصلا بعنوان: إنتاج الأفراد والتعاون السينمائى المشترك ثم فصلا ثالثا بعنوان: القطاع العام والإنتاج المشترك وهو المرحلة الثانية.

الباب الثانى أسمته الكاتبة سنوات التحقق، على اعتبار أن الإنتاج قد حقق نتائج ايجابية وجيدة بعد مرحلة التخبط الأولى، وهو ينقسم الى فصلين.. الأول خاص بالإنتاج السينمائى المصرى الأوروبي المشترك والفصل الثانى خاص بالإنتاج المصرى العربى المشترك.

هناك أيضا تلخيص للنتائج حسبما وردت فى البحث من معلومات وهناك جداول ونتائج تحليل لهذه الجداول، بالإضافة الى مسرد بأفلام الإنتاج المشترك يذكر الكتاب الكثير من الأفلام والتى لا يعرفها إلا أولئك المهتمين بالسينما، رغم أن القنوات الأجنبية تعرض بين الحين والآخر أفلاما من نوعية الإنتاج المشترك أو أفلاما يشارك فيها بعض الممثلين من مصر، ونقصد بذلك الأفلام المشترك القديمة.

تبدو التجارب الأولى فى الإنتاج المشترك باهتة، كما حدث بالنسبة لفيلم (أرض النيل – 1943) بالتعاون مع فرنسا، وكذلك أفلام أخرى مثل وادى الملوك ثم بعد ذلك على ضفاف النيل وكريم بن الشيخ، وبعكس ما جاء فى الانطباعات المصاحبة، فمازلت أذكر أن الفيلم الأخير (كريم ابن الشيخ) قد حقق نجاحا تجاريا جيدا فى ليبيا على اعتبار انه فيلم ايطالى. أما فيلم الصقر فهو تجربة إنتاجية مختلفة والفيلم العربى من أشرطة المغامرات البدوية أو الصحراوية ومن يشاهده على الشاشة الصغيرة الآن سوف يجده فيلما مشوقا ويعتبر ناجحا بمقاييس المرحلة التى عرض فيها، رغم اننا نراه الآن من وجهة نظر أخرى.

ومن الواضح وكما يذكر الكتاب، أن هناك تخوفا من الأجنبي فى مسألة الإنتاج المشترك وسوف نلحظ دائما بأن الأجنبي هو الذى يعرض مشروعاته والطرف المصرى دائما يقع فى الجانب السلبى المتردد والمتخوف. وهذا الأمر ليس له علاقة بالرقابة لأننا نجدها دائما موافقة، بل يكمن التردد فى نوعية العلاقة بين السينما المصرية ذات الطابع المحلى والسينما العالمية التى تمثل أحيانا وجهة نظر مستعمر له تقاليده وأغراضه وأهدافه المشكوك فيها.

مع مرور الزمن ومع وجود بعض المخرجين الذين فظنوا الأهمية الغرب من حيث العالمية والترويج وفى محاولة للخروج من المحلية المصرية والعربية، اختفى هذا التردد. كما حدث بالنسبة لأفلام الشركة العالمية وبالدرجة محاولات يوسف شاهين عربيا ثم فرنسيا فى مرحلة لاحقة، وعلينا الا نقفز عن مرحلة من التعاون بين يوسف شاهين ولبنان فى بياع الخواتم، ثم مع اسبانيا والمغرب فى فيلم رمال من ذهب. رغم ان هذه الأعمال ليست من الإنتاج المشترك إلا انها تجارب دفعت نحو المزيد من الإنتاج.

من الواضح أن الباحثة يهمها جمع المعلومات المتعلقة بموضوعها وبالتالى لم تطرح أسئلة حول أسباب فشل تجربة الإنتاج المشترك فى البدايات المتعثرة الأولى، وسبب ارتباط هذا الإنتاج المشترك بشخصية المخرج يوسف شاهين، ومع مجموعة من الأفلام مثل وداعا بونابرت، المهاجر المصير، إسكندرية ليه، إسكندرية كمان وكمان، إسكندرية نيويورك والآخر، سكوت هنصور بصرف النظر عن تسلسل تواريخ الإنتاج.

كما لا ننسى أن هناك تجارب خاضها هذا المخرج مع البلدان العربية، كما حدث فى فيلم العصفور وعودة الابن الضال وقبل ذلك ومن خلال القطاع العام، فى فيلم الناس والنيل مع الاتحاد السوفيتى وبفلمين يحملان موضوع واحد.

لعل الفصل الخاص بيوسف شاهين هو من أهم فصول الكتاب، فهو يلقى الأضواء على تجارب يوسف شاهين المختلفة، ليس فى مجال الأفلام الطويلة ولكن أيضا بالنسبة لأفلام القصيرة (القاهرة منورة بأهلها).

تناقش الكاتبة الفكرة التى تتكرر دائما مع أي إنتاج مشترك والخاصة بتشويه سمعة مصر من طرف الأجانب أو من يدور فى دائرتهم، ولعل مصدر هذه الفكرة يعود الى مركزية الدولة فى مصر وصبغتها الرسمية دائما، حيث يعنى التشويه دائما محاوله المس بكيان الدولة الرسمى، كما أن الأفراد نجدهم فى الغالب أبناء الحكومة يدافعون عنها، حتى لو كانوا غير مستفيدين بشكل مباشر।

هناك جوانب كثيرة تتطرق إليها الكاتبة عندما تتعامل مع أفلام الإنتاج المشترك فى مراحل لاحقة، كما عند يسرى نصر الله وخالد الحجر وأسماء البكرى وعاطف حتاته وغيرهم، ومنها محاولة إبراز الأفلام المشتركة مع أوروبا مثلا الفولكلور المصرى والعادات والتقاليد المصرية، وهنا أفلام مشتركة تعاملت مع ختان البنات مثلا ولكن إنتاجها كان ما بعد 2006.

كما قلت يظهر هذا الكتاب وكأنه يفتح المجال لناقشات واسعة داخل دائرة ما يعرف بالإنتاج المشترك، ويبدو لي أن الموضوع يستحق أكثر من كتاب ومن زوايا مختلفة، خصوصا اذا طرحنا العديد من التساؤلات المرتبطة بهذا الإنتاج وأسباب انحساره فى حدوده الدنيا.

بالطبع لابد أن ننظر الى تجارب دول أخرى فى هذا المجال والسياق، ونحن لا ندعي اننا نعرفها جيدا، لأن معرفة تجارب الدول الأخرى تساعدنا على تقدير مستوى التجربة المصرية أو العربية عموما.

بكل تأكيد هناك بعض التعقيدات الإدارية التى تمنع من حركية الإنتاج المشترك، كما أن هناك محاولة لتقوقع داخل الذات بقصد حماية النفس ولو ظاهريا، وإذا أضفنا خشية المنافسة مع الخارج، يمكن الوصول الى معادلة فهم أسباب انحسار عملية الإنتاج المشترك.

من جانب آخر لابد ان نشير الى أن الذين يتعاملون فى مصر مع الدولة الأجنبية، ومع ثقافات أخرى، بل مع بلدان عربية أيضا من المنتجين والمخرجين، هم فى الغالب ممن اكتسبوا ثقافة خارجية، أوروبية مثلا. فهؤلاء هم الأقدر على التعامل مع الثقافة الأوروبية – الفرنسية مثلا – كما ان ثقافتهم تساعدهم أحيانا على ذلك، وبالتالى سوف نجد أن أغلب من تعاملوا مع الإنتاج المشترك الاوروبى المصرى هم من المسيحيين، رغم أن ذلك ليس شرطا، كما أن العامل السياسى يلعب دورا مهما فى كل ذلك.

أظن أن فى حال وجود كتب من هذه النوعية يمكن للسينما فى مصر مثلا أن تطرح بعض القضايا المهمة المتعلقة بها، سواء على مستوى الإنتاج أو التوزيع أو الإنتاج المشترك، ولاسيما وأن المراحل القادمة تدعو الى مزيد التعاون على مستوى الإنتاج المشترك والذى وحده يكفل توزيعا عالميا للفيلم المنتج فى مصر او الوطن العربي، عالميا بقياس دولتين أو أكثر وليس بمقياس السينما الهوليودية التى تنفرد وحدها بالإنتاج مهما اختلفت مصادرة. الأمر المهم الآخر أن الإنتاج المشترك يسمع بوجود موضوعات جديدة ومختلفة.

فى الواقع أن مبادرة الإنتاج المشترك انطلقت من فرنسا لأنها أسهمت فى تأسيس قاعدة أفلام فى افريقيا والوطن العربى وغير ذلك من البلدان، ولم تكن مبادرة الإنتاج من المؤسسات الفردية أو الرسمية العربية، فقط كانت هناك استجابة فقط وهى استجابة مترددة.

إن الكتاب يتحدث عن على أي حال تجارب سابقة محدودة، ويبدو أن التجارب الجديدة ستكون أكثر فعالية وسخونة فى سنوات قادمة.

السبت، 20 مارس 2010

السينمائية مجلة جديدة




قريبا

العدد الأول من مجلة "السينمائيّة"

سوف يصدرُ قريباً العدد الأول من المجلة الشهرية التي تحمل عنوان "السينمائيّة"، وهي تُعنى بالشأن السينمائيّ العامّ، وتحتفي بالإبداعات النقدية السينمائية العربية.

سوف يحتوي كلّ عددٍ منها على مجموعةٍ كبيرة من المقالات النقدية، تتوزّع في أبوابٍ ثابتة: أفلام الشهر، مهرجانات، قراءات، مُتابعات،...بالإضافة لملفٍ خاصّ حول تيمةٍ معينة، وقد خُصصنا العدد الأول من المجلة لفيلم "أفاتار" تحت عنوان "إمبراطورية كاميرون الرقميّة".

بالمُقابل، سوف تمنح المجلة أهميةً للحوارات مع السينمائيين، والنقاد، وكلّ العاملين في الحقل السينمائيّ، وحوارنا في العدد المُقبل مع الناقد السينمائي العراقي المُقيم في لندن "عدنان حسين احمد"،..

بدأت فكرة إصدار مجلة "السينمائيّة" منذ سنواتٍ، أثارتها حاجة المشهد السينمائيّ العربيّ لمطبوعةٍ مُوجهة للمُحترفين، والهواة على السواء، تبتعدُ عن ملاحقة الأخبار، المُتابعات السريعة، والبيانات الصحفية، أو الدعائية،..ويرتكز هدفها الأساسيّ على الكتابات الجادة للنقاد العراقيين، والعرب حول مُجمل الإنتاج السينمائيّ في العالم،..

تتكوّن هيئة التحرير ـ حالياً ـ من مجموعة نقادٍ، وعدداً من المُستشارين، وتُرحب بكلّ المُساهمات النقدية الرصينة التي تتفقّ مع الخطة التحريرية للمجلة.

وبُمناسبة الدورة الثالثة لـ"مهرجان الخليج السينمائيّ"، والتي سوف تنعقدُ في دبيّ/الإمارات العربية المُتحدة خلال الفترة (من 8 إلى 14/ نيسان 2010)، تعكفُ مجلة "السينمائيّة"، وبالتعاون مع إدارة المهرجان، على تجهيز ملف خاصّ تحت عنوان "السينما الخليجية، آفاقٌ، وتطلعات" يهدف إلى التعريف بالإنتاج السينمائيّ، والسمعيّ/البصريّ لدول الخليج العربي، وتسليط الأضواء على مُبدعيه،..

يمكن أن يتضمّن الملف:

ـ قراءاتٍ جديدة حول تاريخ السينما في دول الخليج بشكلٍ عامّ، أو في كلّ دولةٍ على حدة.

ـ روّاد السينما في دول الخليج : خالد الصديق، عبد الله المخيال، عبد الله المحيسن، خليفة شاهين، بسام الذوادي، علي العبدول، خليفة المريخي، خالد الزدجالي،..

ـ مهرجانات السينما في دول الخليج .

ـ مخرجون شباب: وليد العوضي، عبد الله بوشهري، محمد راشد بو علي، هاني الشيباني، صالح كرامة، نجوم الغانم، نواف الجناحي، وليد الشحّي، عبد الله حسن أحمد، حافظ علي علي، هيفاء المنصور، عبد الله آل عياف، خديجة السلامي، ......

ـ المرأة المُخرجة في السينما الخليجية : نادرة السلطان، منيرة القادري، عائشة المُقلة، نجلاء الشحي، مها قرقاش، نائلة الخاجة، رقية الوضاحي، نورا الدباغ،.....

ـ استقلالية السينما الخليجية .

ـ مصادر الثقافة السينمائية في دول الخليج.

ـ وكلّ الأفكار، والموضوعات المُتعلقة من قريبٍ، أو بعيدٍ بالسينما الخليجية.

لمزيدٍ من المعلومات، والاستفسارات حول المجلة، وإرسال المُساهمات الخاصة بالأعداد القادمة، بإمكانكم التواصل مع رئيس التحرير :

ليث عبد الكريم الربيعي :

laithalrubayee@gmail.com

وفيما يتعلق بملف "السينما الخليجية، آفاقٌ، وتطلعات"، بإمكانكم التواصل مع رئيس التحرير:

ليث عبد الكريم الربيعي

laithalrubayee@gmail.com

والمُنسق، المُشرف على الملف:

صلاح سرميني

salah_sermini@hotmail.com

الأربعاء، 3 مارس 2010

انتهاء أيام كازانوفا في العار



رحلة من النهاية الى البداية


بلا شك تتيح جائزة نوبل لصاحبها الكثير من الحركة، ليس فقط على صعيد البيع
والتوزيع والنشر المستمر، ولكن عن طريق الاستفادة من أعمال الكاتب الأدبية
فى تصنيفات أخرى أهمها السينما والمسرح والتلفزيون.

الكاتب جون كوتسي من جنوب افريقيا حاز على جائزة نوبل للآداب عام 2003 وهو
مؤلف لعديد الروايات ومنها "رض الغسق" عام 1947 و"من قلب البلاد" 1979
و"بانتظار البرابرة" 1980 و"حياة وأزمنة مايكل" 1983 ثم "العدد وعصر
الحديد" والسيرة الذاتية في ثلاثة أجزاء ورواية "اليزابيت كستلو" ورواية
"الرجل البطيء".

أما رواية "العار"، 1999 فهي من أشهر روياته وقد فاز عنها بجائزة البوسم في
نفس العام ومهدت لفوزه بجائزة نوبل.

ربما اختيرت بعض الروايات للاقتباس السينمائي وكذلك التلفزي، غير أن رواية
العار قد اشتهرت باعتبارها فيلم سينمائى أخرجه المخرج الأمريكي "ستيف
جاكوبز" والذي سبق له أن قدم بعض الأفلام مثل: "الرجل الذي تعرفه 1984 –
الاسبانية2001 ".

لا نريد أن ندخل في مقارنة بين الفيلم والرواية، فذلك موضوع يؤكد أيضا
بالنسبة للروايات الصادرة في افريقيا وأمريكا اللاتينية، ويكفي أن نذكر على
سبيل المثال اقتباس رواية "العمى" لساراماغو واقتباس رواية "الحب في زمن
الكوليرا" لماركيز وغير ذلك من التجارب التي تتوارى فيها السينما خلف
الرواية، إلا في حالات نادرة، والأمر يتوقف دائما على مستوى الإخراج ومستوى
طموح الفيلم وتحرره من هيبة الرواية وتعامله مع فن السينما بشكل مباشر.

منذ البداية ندرك بأن هناك مسافة زمنية تفصل بين ماضي جنوب افريقيا
وحاضرها، ونقصد بالماضي ذلك الميز العنصري الذي كان يهيمن على الافارقة في
ذاك البلد، وسيطرة الأوروبيين البيض على مقاليد السلطة واستفادتهم الكاملة
من ثروات البلاد، ثم بعد ذلك النقلة السريعة باتجاه إقامة دولة افريقية
تحكمها الأغلبية الافريقية وليس الأقلية البيضاء.

نعم ذلك جزء من الماضي الذي انتهى أو كاد سياسيا وتاريخيا، لكنه في مجال
الأدب لم ينته بعد، فالعودة الى ذلك الماضي تأتي من خلال البحث في الحاضر،
والذي يحمل بين طياته بعض التفاصيل، والتي لابد من التصريح بها، همسا أو
صراحة، بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال تصورات فردية أو رؤية جماعية.

لا يخلو الأمر من انتقاد حاد للذات، ومقاربة للواقع بشكله الحالي، والذي
على كل الأجيال أن تتقبل به، إذا أرادت أن تستقر كما هي مع الاعتراف بكل
المتغيرات.

يبدأ الفيلم بمشهد يتطلع فيه البروفسور "ديفيد لوري" الى فناء الجامعة التي
يعمل بها أستاذا لمادة الاتصالات وكذلك مادة الأدب الأوروبي منذ البداية
تصبح رؤية لوري هي الأساس، فكل شيء يأتي عن طريقه، فهو الراوي الذي علينا
أن نتتبعه أينما يمضي.

الفيلم يسير نحو البساطة ويقتصد في أشياء كثيرة، ومن البداية يدرك المشاهد
ذلك، فالجامعة صغيرة وعدد الطلبة قليل والحركة متواضعة، والعالم الذي
تقتنصه آلة التصوير محدود جدا.

ان البطل يعاني من مشكلة منتصف العمر، يعالجها جنسيا مع امرأة متزوجة تدعى
ثريا، متزوجة أيضا ولها أبناء، والمسألة بالنسبة إليها مجرد علاقة تجارية
بينما ينظر ديفيد الى العلاقة على أنها حالة مؤقتة، حيث ربما تستبدل ثريا
بغيرها، ولاسيما وأنه مطلق ويعيش وحيدا، بعيدا عن كل شيىء، بما فى ذلك
ابنته" صوفي". إن الهوس بالجنس يقود الشخصية الى مغامرة تلو الأخرى.

البداية الحقيقية للفيلم، نراها مع محاولة تعرف البروفسور ديفيد على طالبة
تدعى "ملايني"، يظهرها الفيلم فتاة سمراء، افريقيّة، بها مسحة من الجمال،
تشغل وقتها بالعمل في المسرح الجامعي وهي فيى السنة الأخيرة، ورغم ذلك يظهر
التعارف بين الشخصيتين وكأنه أمر يحدث للمرة الأولى.
يسرع الفيلم في تصوير العلاقة الثنائية، ورغم إنها "ملايني" لا تظهر ترحيبا
بالعلاقة وتقابلها بفتور حسي واضح، إلا أنها تستجيب لها، مما يعني انتشار
أمر العلاقة بين الطلبة وكان لصديقتها أيضا دور مهم، رغم أنها لا تظهر فى
الفيلم .كل ذلك يؤدي الى اتهام ديفيد ورفع دعوى ضده من قبل أسرة الفتاة،
بعد مواجهة مع الأدب، وخلاصة التهمة الاعتداء على فتاة صغيرة السن "أقل من
18 سنة" والتحرش الجنسي، مع استغلال الوظيفة لمصالح ورغبات فردية.

لا يركز الفيلم أيضا على المكتب التأديبي الذي اعد لغرض محاكمة ديفيد، فهو
ليس محاكمة قانونية، لكنه يسير في طريق المصالحة، حيث تركت الفتاة الدراسة،
بعد انتشار أمر علاقتها مع الأستاذ، واستغلال ديفيد للوظيفة في اعتبار
الفتاة غير منقطعة عن الدراسة ونجاحها رغم ذلك في المادة التي يدرسها. يسير
الفيلم أيضا نحو اهتماما ديفيد بالشعر من خلال مناقشة أشعار وود زورث
وأشعار بيرون، ويجعله الفيلم مهتما بالموسيقى والعزف، ولكن ليس الى درجة
تأليف أوبرا كاملة كما هو حاضر ف الرواية..

هل هذه هي الفضيحة؟ وهل هذا هو العار؟

يبدو الفيلم باردا في تناوله لهذه القضية، فالفراغ يحيط بالشخصيات من كل
مكان، حتى في المدينة نفسها، ولا يفهم من ذلك توفر رؤية معينة واضحة، لكن
معظم المشاهد تأتي وفق سياق ثنائي، حوار بين طرفين على الأكثر، واختفاء
الحيوية التي تتناسب مع هذه الأجواء والتي لا تظهر فيه خلفية واضحة لجنوب
افريقيا، إلا من خلال المساكن المختارة بعناية والملابس والأدوات اللافتة
للنظر.

يطرح الفيلم قضية الأجيال، ومن وجهة نظر أوروبية، الجزء الأول نجد ديفيد
الأستاذ الجامعة الذي يرتكب خطأ كبيرا يلحق به العار، لكنه رغم ذلك لا
يوافق عل الاعتذار، ويعتبر نفسه مخطئا فقط، ويوافق على كل الدعاوي المرفوعة
ضده.
تبدو فكرة الاعتذار بالنسبة إليه غير مقبولة، وهذه الفكرة سبق أن طرحت على
المستوى الاجتماعي العام عندما عقدت مجالس شعبية لمحاكمة الذين ارتكبوا
أخطاء كبيرة في حق السود من البيض، وتمت التسوية بالاعتذار الشفهي، وأشرف
على ذلك فعليا نلسون مانديلا بنفسه.

لكن بالنسبة لطبقة من المتعلمين يبدو الاعتذار مسألة غير مقبولة، وخصوصا
عندما يتعلق الأمر لحاجة جسدية عامة "الجنس" هي كما يقول ديفيد ملك للجميع
عند الموافقة والرضى.

هذا المستوى الأول والذي تقع أحداثه بالمدينة، يقابله مستوى آخر تقع أحداثه
في الريف، فقد قرر ديفيد بعد أن عزل من عمله وصار عليه أن يعمل أي عمل آخر
عدا التدريس، أن يرحل الى الريف، حيث تعيش ابنته صوفي لوحدها مستفيدة من
أرض العائلة التي ورثتها عن العائلة.

لم يهتم الفيلم بفكرة أن دافيد كاتب، يهتم بالأدب وله منشورات سابقة، وان
كان ذلك قد برز في مشهد أو أكثر. المهم أن البروفسور الذي يمثل شريحة
النخبة المثقفة من السلالة الأوروبية يجبر على ترك المدينة والتوجه الى
الريف ولو كان ذلك بصورة مؤقتة.

إن دافيد لا يعتبرها ما حدث له مع الطالبة ملايني عارا، وعليه أن يعيش
التجربة بطريقة أخرى، لكي يصل الى حالة تسمح له بأن يتعايش مع الواقع
الجديد.. إنه من جيل سابق بحكم العمر، وابنته من جيل لاحق. جيل ما قبل
الاعتذار وجيل ما بعد الاعتذار.

القصة الثانية التي أعتمد عليها الفيلم تبدو ومنفصلة عن القصة السابقة، لكن
الشخصية المحورية واحدة وهي تقريبا تستقطب كل الفيلم، ولقد اختير لدور
دايفيد الممثل "جون مالكونتيشي"، صاحب التجربة الكبيرة في التمثيل وفي
تقديم الأدوار الجيدة، ومن الناحية الشكلية يبدو الدور مناسبا للمثل.

غير أنه فعليا تختفي الشخصية أو تكاد من حيث التأثير والفعالية، فمجمل
الأداء يظهر رومانسيا حالما، بما في ذلك التعبير بالصوت، بينما الشخصية
التي تتوافق مع دافيد ينبغي أن تكون شرهة متكالبة على الحياة.
والحقيقة أن برودة الفيلم وعدم حيويته وحياديته المبالغ فيها، كل ذلك قد
أسهم في جعل الممثلين على الهامش من حيث التأثير.

عندما يصل دافيد الى مزرعة ابنته يجدها تعمل لوحدها تقريبا، ويساعدها في
ذلك بطرس الزنجي الذي يسكن بجوارها ويملك أيضا قطعة أرض ومسكنا ملاحقا
ويؤدي خدماته في الحالتين.

لا يبدو أن هناك توافقا بين الأب وأبنته في الرأي، فهو يطلب منها أن تعود
الى هولندا وتستقر بها ولكنها ترفض، وتقبل بهذا الدور، مزارعه التي تبيع
أسبوعيا ما تنتجه مزرعتها الصغيرة فيى سوق القرية المجاور.

ربما كان وضع الفيلم أفضل حالا فى هذا الجزء، لكن الكاميرا تبقى باهتة رغم
ذلك، ويخلو الفيلم تقريبا من الشخصيات ذات الحضور الاجتماعي، ويظهر الفراغ
واضحا، وحتى مشهد السوق الأسبوعي بدا ضعيفا لم يخدم الفيلم كثيرا.

وينطبق ذلك على مشهد الحفلة الليلية تنتقل الأحداث من المدينة الى القرية،
وينتقل ديفيد من العمل الرسمي المقترن بالأدب الأوروبي وعلو المركز الثقافي
والاجتماعي، ينتقل للقيام بالمال هامشية حيث نراه يساعد بطرس في أعمال
صغيرة لا يعرف عنها الشيء القليل.

انه ينتقل أيضا الى عمل آخر لا يعرف عنه شيئا، إذ يساعد "بيف شو" في حقن
بالإبر، ثم رميها في المحرقة للتخلص منها. وينطبق ذلك بالدرجة الأولى على
الكلاب.

هناك رمزية مباشرة، فقد صار ديفيد مجرد صورة لهاته الكلاب التي جاء أوان
التخلص منها. هناك علاقة جسدية وليس لها أهمية بين ديفيد وبيف شو، والأهم
هو العار القادم في صورته الأخرى.

تتعرض لوسي للاعتداء من قبل ثلاثة أشخاص من الزنوج، كما ضرب ديفيد وقتلت
كلاب الحراسة التى تربيها وتتاجر بها لويسي، وفر الجميع بعد اغتصاب الفتاة
وكأن شيئا لم يكن.. تلاشت الحادثة مثلما تلاشت سيارة ديفيد المسروقة.

يشك ديفيد في بطرس بأنه وراء كل ما حدث، لأنه يريد الرحيل للوسي وبالتالى
شراء الأرض منها مجبرة. وتزداد الشكوك عندما يجد أحد الأفراد في حفلة،
الولد الصغير دعا إليها بطرس ولكن هناك فرق بين الجيلين في التعامل مع
مفهوم العار.

تقبل لوسي بالعار الذي لحق بها في سبيل أن تبقى بالأرض وتقبل أن يتزوج بها
بطرس ليحميها ويكون أبا شرعيا لأبنها القادم من الاغتصاب.. اغتصاب ثلاثي
وكأنه رمز لاغتصاب جماعى. إنه رد فعل للقتل الذي أصاب الافارقة وهو رد فعل
لعملية اغتصاب قام بها الأب ضد فتاة افريقية ولو كان الأمر قد جاء فى صورة
مختلفة.

تبرز الممثلة "جيسكا هان" في دور لوسي، المرأة المستعدة دائما للتراجع
والرضى بالأمر الواقع، فهي تقبل أن تكون مجرد زوجة ثالثة في سبيل طفل قادم
مجهول النسب يجمع بين المرأة الأوروبية والأب الافريقي. هذا الخليط هو
الجيل القادم الذي يجمع بين جيلين سابقين.

هناك عودة لديفيد الى المدينة، فهو يزور جامعته الأولى ليحضر مسرحية تمثل
فيها ميلاني نفس الدور القديم والتي عنوانها "الغروب فى صالون غروب".

عودة أخرى الى ذكريات قديمة وزيارة الى بيت ملايني، حيث يقدم الاعتذار هذه
المرة للأب ويطلب السماح من الزوجة، بل يجثو على ركبتيه من أجل ذلك.

عودة أخرى الى ابنته ولكن بعيد عنها وقريب منها في نفس الوقت. حياة ريفية
بسيطة وكتابة وعزف على الموسيقى وبهذه الصورة ينتهي الفيل.

لا شك أن قوة الفيلم قد جاءت من الموضوع فقط، ولكن الشخصيات لم ترسم بدقة
كافية ولذلك لم تبق حاضرة بما فيه الكفاية، إلا باعتبارها رموز لواقع متغير
في جنوب افريقيا.

من الواضح أن الفيلم قد تم تقسيمه الى جانبين.. أوروبي وآخر أفريقي، ولذلك
انقسمت بطولة الفيلم دراميا بين دائريتين أيضا، والموسيقى كانت معبرة
افريقيا وأحيانا كانت أقرب الى الأوبرا ويبقى السياق فوق كل ذلك، محكوما
بالازدواجية أو الثنائية الافريقية/ الأوروبية ولكل منها تصوراتها الخاصة
المختلفة، ولعل محاولة دمج هذين التصورين في إطار واحد من شواغل الفيلم
الأساسية، اعتمادا على النص الروائي والذي يبدو أنه قد تعالى على الفيلم
كثيرا بحيث صار هذا الفيلم مجرد نسخة باهتة من الرواية.

الأربعاء، 24 فبراير 2010

اعز اصحاب السينما تأكل من نفسها



عندما تتشابه الأشياء



يبدو أن هناك اتجاه في السينما المصرية للتخلص من النجوم وأجورهم العالية،

وكذلك شروطهم ومراعاة مواعيد تنفيذ أعمالهم، وبالطبع يجرّ ذلك أحيانا بعض

الخسائر، لأن النجوم لهم جانب ايجابي، بسبب ارتباط الجمهور بهم أولا وأخير،

وبالتالى يقال بأن الفيلم الذي لا يحتوي على نجم يبقى خاسرا أو متواضع

الإيراد الى النهاية وطوال مدة عرضه.

ومهما كان القول، لابد من الاعتراف بأن السينما في مصر هي سينما النجوم،

لقد تكوّنت وتأسست على هذا المبدأ، ليس لأنها سينما مصرية ولكن لأنها صناعة

سينمائية، وفي كل صناعات السينما يبقى النجم هو الأساس، والقدوة في ذلك هي

سينما هوليوود وكذلك سينما بولييوود، وفي مراحل زمنية معينة انطبق ذلك على

السينما البرازيلية والأرجنتينية والتركية وغيرها.

بالرغم من ذلك هناك ظواهر تحاول أن تخرج بالإنتاج السينمائي من دائرة

النجم، ولهذا السبب وجدت سينما المخرج والسينما المستقلة والسينما الحرة.

ومعظم اتجاهات السينما كانت تحاول أن تتخلص من سيطرة النجم أو سيطرة دوائر

الإنتاج والشركات الكبيرة التى لا تفكر إلا في النجم، حتى أن هناك أفلام

تضع فى اعتبارها نجما معينا قبل تنفيذ الفيلم، ولهذا السبب وجدت أسماء في

السينما العربية تقوم عليها أفلام كاملة، كما حدث بالنسبة لإسماعيل ياسين

وفريد شوقي وأنوروجدي وعادل أمام والقائمة تطول في هذا المجال.

ليس نظام النجوم كله مساوئ، إذ أن في ذلك ايجابيات كثيرة، لكن كثيرا ما نجد

أن الأجور العالية بالنسبة للنجم تعتير من التكاليف الكبيرة التي لا يمكن

الاقتراب منها، وخصوصا إذا كانت هناك مشكلة سينمائية أساسها قلة الإقبال

على الأفلام لسبب أو آخر، كما يظهر فى السينما المصرية حاليا.

من الظواهر الجديدة في سوق الأفلام المنتجة في مصر منذ عقد أو أكثر سيطرة

الموزعين على دور العرض، وبالتالي فقد صار هؤلاء أصحاب الإنتاج الفعل

وبإمكانهم عرض فيلم واحد في أكثر قاعات العرض ويمكنهم أيضا رفع فيلم معيّن

من كل القاعات، ولا يهمّ عنوان الفيلم أو اسم البطل أو البطلة. وهذا ما ساعد

على انتشار الأفلام الصغيرة التى لا تعتمد على اسم أو اسمين، بل على فريق

معين من أسماء الشباب، وبالتالي لا يحتكر البطولة اسم معين، وتتركب القصة

على هذا الأساس، خليط من الشخصيات المتوازية أحيانا، مما يعني وجود نوعية

معينة من القصص تتفق وكل ذلك حتى لو أدى الأمر الى تغيير القصة من مجرد

"حدوته" تعتمد على بطله وبطلة، الى قصة جماعية تتشابك فيها الخطوط وتتداخل

كل ذلك يتم باتفاق الموزعين والمنتجين.

في هذا الفيلم والذي عنوانه "أعزّ صحاب" يبدو كل ذلك ظاهر بوضوح، فالفيلم

يكاد يخلو من النجوم أو هو كذلك فعلا، فإذا كشفنا عن فريق التمثيل وجدناه

فريقا من الممثلين الشباب المتفاوتة خبراتهم وتجاربهم بين السينما

والتلفزيون، لكنهم رغم ذلك لم يسجلوا أية بطولات سينمائية واضحة، وربما

استمروا في هذا الاتجاه، لأن النجوم تلتقطهم السينما عن اختيار معين

ويستجيب الجمهور لهذا الاختيار، بينما يبقى الكثيرون في الخط الثاني أو الثالث.

لقد تكررت هذه التجربة في أكثر من فيلم ولعل آخر الأفلام "بدون رقابة"

وكذلك فيلم "أحاسيس" وغير ذلك من الأفلام، بينما يسير فيلم مثل "فرح" في

الاتجاه المختلف، لأنه يحاول أن يجمع أكبر عدد من أسماء النجوم ولو كانت

مستوياتهم مختلفة الأهمية.

هذا الفيلم يشكل التجربة السينمائية الثالثة للمخرج أحمد فرج بعد "جوبا "

و"كود36" وهو ابن مدير التصوير المعروف سمير فرج، وبالصدفة وحدها سوف نجد

بعض أولا الممثلين في هذا الفيلم، وهم أحمد السعدني ابن الممثل صلاح

السعدني وأحمد فلوكس ابن الممثل فاروق فلوكس، ولا مانع أيضا من وجود كاتب

كلمات الأغاني الموهوب ايمن قمر ابن الممثل الموهوب أيضا بهجت قمر، وهو

الذي كتب كلمات الأغنية الأخيرة المصاحبة لنهاية الفيلم" أعز صحاب" أو ما

شابه ذلك.

قصة الفيلم تعتمد على تعدد الشرائح وتستفيد من أفلام مشهورة، حققت نجاحا في

ذلك. كما في فيلم "سهر الليالي" مثلا، ولكن بالطبع لم يصل هذا الفيلم الى

مستوى الفيلم المذكور لأسباب كثيرة، أهمها أن السيناريو لم يوضع بشكل جيد

وظلت فيه ثغرات كثيرة، كما أن الفيلم سار نحو الكوميديا أحيانا واقترب من

أفلام الإثارة حينا وحاول أن يدمج كل ذلك فى إطار اجتماعي فلم يوفق إلا فى

حدود ضيقة جدا.

لعل من أهم أخفاء السيناريو أن الشخصيات وربما معظمها ليس لها خلفية

اجتماعية تنطلق منها، ولهذا جاءت هؤلاء ذات طابع اجتماعي منقوص، ولعل

اختيار الشقق المفروشة بشكل جيد والشركات الخاصة بالدعاية والعمل في

الديكور وتصميم الأزياء واستخدام الفضاءات الدالة على ذلك قد جعل من الفيلم

وكأنه صنع بمقاس معين، بعيدا عن الواقع، ليس بمعنى الخيال الفني، ولكن

بمعنى الشخصيات الهشة المصطنعة التي لا مرجعية لها. فطوال الفيلم لا نجد

مثلا إلا أبا وحيدا، يحاول مع ابنته "انجي" لكي يجعلها قريبة منه ومن

الحقيقة التي يفرضها واقع الزواج الجديد، ولكن بدون جدوى وحتى في هذه

الحالة فإن الأب هو مجرد شخصية كاريكاتورية لا تؤخر أو تقدم.

ليس هناك آباء أو أمهات، وليس هناك حارات شعبية أو ملابس بسيطة عادية، ولكن

هناك عالم آخر، لم يفلح السيناريو في تصويره أيضا، وبالتالي صار العالم

السينمائي المختار للموضوع يقوم على مشكلات وهموم ليست حقيقية، بل مصطنعة

لا يمكنها أن تكسب ثقة الجمهور إن المكان بكل ديكوراته ليس حيا أو ساخنا.

يبدأ الفيلم بطريقة مناسبة، حيث يكشف السيناريو عن شخصياته بواسطة إرسال

دعوة لحضور حفل خطوبة أولا لفتاة تدعى" انجي" وهي من أصدقاء الجميع منذ أن

كانت طالبة في مرحلة الإعدادية أو ما شابه ذلك.

هناك انجي وخطيبها حسين، وهناك هالة مع زوجها محمد وابنتهما نورا وهناك على

وهو مصور دعاية، وهناك أيضا كريم وهو صيدلي. كما أن هناك إيمان وهي مطلقة

وهناك دنيا وأختها أيمان.

يستخدم الفيلم المشاهد القصيرة نسبيا ولهذا جاء الفيلم خفيفا في سرده، لكن

القصة يشوبها الارتباك، فلا نعرف سببا لاختلاف محمد مع هالة، ولا سببا

لتسرعه حين طلب يد انجى رغم انهما من أبناء الذوات، ورغم أن الأمر لا يخلو

من زواج المصلحة في ظاهره الخارجي، والأغرب قصة دنيا مع أيمان التي تقول

لها مرة واحدة أختي.

يسير الفيلم من حفلة الى أخرى ومن عرض أزياء الى آخر ومن تصوير الموضات

الجديدة الى غيرها، فكل الشخصيات لها علاقة بالديكور والأزياء وليس لها

علاقة بغير ذلك وربما كان أقربهم الى المشكلة الفعلية ذلك الذي يدعى كريم

قام بدوره بشكل جيد معتز التوتي. فهو يعمل معيدا في الكلية اختصاص كيمياء،

لكنه رغم ذلك لا يتوفر على حقه فى السفر الى الخارج في بعثة رسمية وتترك

البعثات الى أصحاب النفوذ أما دور عبد الله مشرف، دكتور جامعي، فهو تحصيل

حاصل لباقي الأدوار الضعيفة، بما فيذلك دور مروة عبد المنعم "هالة" وكذلك

رانيا يوسف "سارة". أما التمثيل الضعيف جدا فقد اجتمع فيه عدد من الممثلين

الشبان ومنهم احمد فلوكس واحمد السعدني ولانا سعيد وتومة وشيرين.

والحقيقة أن لمستوى التمثيل الدور المهم في ضعف الفيلم، رغم أن الأهم هو

عدم حضور حيوية القصة وعدم اقترابها من الجمهور، لأنها تظل مجرد قصة لفيلم

من الأفلام التي تقبل بانتظار نهايتها فقط

مثلما كان هناك تسرع فى زواج إنجي وحسين، سوف نجد سوء تفاهم فى زواج هالة

من محمد، وذلك أيضا من الأشياء غير الواضحة، ويفتعل الفيلم علاقة جانبية

بين محمد والمطلقة سارة لكي يتم الانفصال بين الزوجين.

يذكرنا الفيلم كما قلنا بفيلم سهر الليالى خصوصا بالنسبة لسهر الأصدقاء

والحديث عن الذكريات والعلاقات العاطفية.

لكن القصص الثنائية غير مقسمة بالتساوي، ولهذا يختار الفيلم أن يرجع الى

الخلف ويأتي بمشاهد "الفلاش باك" عندما وصلت رسالة الى دنيا في المدرسة

الإعدادية وهي رسالة تحصلت عليها الفتاة، وظلت معها الى أن جاءت المفأجاة

وقامت بقراءتها في حفل زواج إنجي الذي يتحول الى انفصال من ناحية وزواج من

ناحية أخرى بين علي ودنيا.

لا يحتوي الفيلم على أغنية، وهو من الأفلام القلائل التي لا تظهر فيها

أغنية، إلا أن أغنية الفيلم جاءت في النهاية وعند قراءة الأسماء، وكان يمكن

حذفها. في نفس الوقت ثم استخدام الموسيقى في مشاهد صامتة مطولة لتوضيح مصير

العلاقات العاطفية عند معظم الشخصيات. فالموسيقى غير بارزة ولذلك كانت ناجحة.

أعاد الفيلم فكرة سبق أن تكررت كثيرا، صراع الأختين "دنيا مع ايمان" وكذلك

تقارب الأصدقاء وتباعدهم، والفيلم يدمج العلاقات الشخصية في العلاقات

العاطفية ويرفع من شأن الصداقة ذات الطابع الطفولي ويجعلها هي الأصل لما

يأتي من علاقات متشابكة وهذا الأمر لمسناه في أفلام ربما كانت أفضل كما حدث

بالنسبة لفيلم "أحلى الأوقات" حيث الرجوع الى ذكريات الطفولة المدرسية

وكذلك استخدام فكرة الرسالة العاطفية ذات الطابع الطفولي.

ربما لا يهم أن تتكرر القصص وتتشابه، ولكن من المهم التركيز على كيفية

التعامل مع هذه المتكررات والمتشابهات.

نهاية الفيلم كانت ايجابية بالنسبة لأصحاب الرسالة العاطفية، حيث تطرح في

البداية باعتبارها مشاهد الرجوع للخلف، وينتهي بها الفيلم في نفس الوقت،

وبين هذا وهذا يبقى "فرح انجي" هو البنية الأساسية التي تدور حولها وفيها

الأحداث لكنه فرح إنهار من داخله ولم يتحقق منه شيء.

من الصعب القول بأن هذا الفيلم غير جيّد، فهو لا يخلو من لمسات كوميدية

خفيفة، وهو يسير على ايقاع مقبول، ليس به ملل أو تمطيط، وهذا بالطبع يرجع

الى المخرج الذي أحسن اختيارات مشاهدة رغم أنها أنيقة أكثر من اللازم.

من جانب آخر ومع تكرار الموضوعات وتشابهها أشعر أحيانا بأن السينما المصرية

تسير في شرنقة ضيقة سببها تكرار القصص الموضوعات، وذلك يعود الى عدم

الانفتاح على عوالم أخرى لها علاقة بالأمكنة والأزمنة، فلا أفلام تاريخية

ولا أفلام صعيدية ولا حضور لبيئات مصرية إلا ما يدور فى مدينة القاهرة وفي

زواية ضيقة منها، ولولا بعض التجارب القليلة التي تؤكد على وجود الصناعة،

لكنه لا ليس فنيا ونقديا ما يمس الواقع ولا يناقشه ولا ينتقده.

إن كاميرا هذه النوعية من الأفلام تغازل الواقع وتنظر الى الميزان التجاري

فقط، ولن يتحقق لها ذلك بالطبع، لأن الجمهور لا يتفاعل إلا مع الأفلام التي

تشكل حقيقة فنية وموضوعية.

إننا فى بعض الأحيان لا نكاد نفرق بين هذه الأفلام ومسلسلات التلفزيون، رغم

اختلاف الوسيلة، ومع زيادة رقعة الممنوع، ربما تحولت الأفلام الى نوعية

أخرى من المسلسلات، وحينئذ تفقد السينما أفضل بريقه، بريق الجدل مع الواقع

والنقاش معه، بل تعرية الواقع ليظهر على حقيقته التي تحتفي وراء أقنعة يمكن

اعتبارها مجرد أقنعة مزيفة.