الجمعة، 22 مايو 2009

فيلم "كباريه": المكان الذي لا يتسع للجميع


الكبارية بين الداخل والخارج

مرة أخرى يتجدد التعامل مع فكرة تعدد الشرائح الاجتماعية فى السينما المصرية، وهذه ‏المرة من خلال فيلم بعنوان "كباريه" انتاج نهاية 2008، والذى مازال يعرض حاليا فى بعض ‏الاقطار العربية، يعتمد الفيلم على وحدة المكان الجامع للشخصيات، كما ظهرت سابقا فى بعض ‏الانتاجات السينمائية العربية، ونذكر منها على سبيل المثال فيلم "بين السماء والارض" ‏لمخرجه صلاح أبو سيف وفيلم ميرمار لمخرجه كمال الشيخ، وايضا فيلم القطار لمخرجه احمد ‏فؤاد.‏ اما فكرة الشرائح الاجتماعية نفسها وتنوعها، فقد قدمتها السينما فى مصر فى عدة افلام، ‏القليل منها ناجح، ونذكر من ذلك على سبيل المثال فيلم "سهر الليالي" لمخرجه محمد خليفة.‏ فيلم الشرائح: -‏ أن أهم متطلبات فيلم الشرائح الأجتماعية والنماذج البشرية المتعددة أن يكون له أساس ‏ينطلق منه ويعود إليه. وعلى الأرجح، يكون ذلك مكانا معينا يجمع العديد من الشخصيات، ‏له دلائل خاصة وميزات معينة، أو يكون الحدث هو الموضوع الذى يجمع الشخصيات، كما فى فيلم ‏‏"المذنبون" لسعيد مرزوق. أو أن يلتقى الحدث بالمكان كما فى فيلم "البداية" لصلاح أبو ‏سيف.‏ ان الأمثلة بالنسبة للسينما الأمريكية والأوروبية كثيرة جدا، وينطبق ذلك بصورة أوضح ‏عندما يكون الفيلم مقتبسا عن مسرحية تعتمد على مكان واحد. ولا يمنع ذلك من وجود بعض ‏المشاهد الخارجية القليلة.‏ رغم ذلك فإن المعاجلة الفنية تبقى هى الأهم، ولاسيما وأن هذه النوعية من الأفلام لها ‏طبيعة فكرية وثائقية، وهو أمر يتطلب قدرات معينة لم تستطع السينما العربية ان تتعامل ‏معها بشكل جيد، فكانت النتيجة تقديم بعض الأفلام التى لها طابع السرعة، رغم الطموح الكبير ‏الذى ارتبط بها.‏

من الافلام الاخيرة المعتمدة على فكرة تعدد الشرائح الاجتماعية، فيلم "كباريه" لمخرجه ‏‏"سامح عبد العزيز" وهو مخرج قدم بعض الأفلام الناجحة تجاريا مما يتعاش مع متطلبات سوق ‏التوزيع، بصرف النظر عن المستوى الفنى، وفى ذلك، أفلام مثل: درس خصوصي 2005 حسن طيار ‏‏2007، احلام الفتى الطايش 2007‏. وكلها تندرج ضمن سياق الافلام الخفيفة، غير متقنى الصنع، بحيث لم تلفت اليها الانتباه، بل ‏اعتبرت احيانا فاشلة تجاريا رغم اعتمادها على بعض نجوم الغناء والتمثيل، لذلك، عندما ‏قدم هذا المخرج "فيلم كباريه" كان الأمر نسبيا، بعيدا عن كل التوقعات، مقارنة بكل ‏معطيات الافلام السابقة.‏ ليست القضية مجرد تركيز على تعدد الشرائح الاجتماعية، ولكن يتداخل الفيلم مع أفلام ‏أخرى تناولت مسألة الجماعات الدينية المتطرفة فى زاوية من الزوايا فقط، ونقصد بذلك ‏طريقة الاعداد لعملية تفجير قصد بها المكان الذى تجتمع فيه الشخصيات.‏ وهنا لابد من الذكر بأن كاتب الفيلم هو أحمد عبد الله، والذى قدم الكثير من الأفلام ‏الناجحة تجاريا وعلى المستوى الكوميدى، مثل اللمبي وكركر ويا انا يا خالتي وصباحو كذب ‏وهناك أفلام أفضل قليلا مثل "فول الصين العظيم، الناظر صلاح الدين"، وأطن انها المرة ‏الاولى التى يقترب منها الكاتب من القضايا الدرامية ذات الطابع الاجتماعى المتداخلة مع ‏قضايا أخرى، كما حدث فى فيلم "كباريه".‏ مكان مميز: -‏ إن الكباريه هو المكان الذى تلتقى فيه الشخصيات، وهو مكان عمل يومي. له أجواء ‏متميزة، يتردد عليه بعض الناس كل ليلة. غير انه اجتماعيا يلقى عزلة وربما ينبذ ‏اجتماعيا. لذلك فهو بالنسبة للعاملين فيه يعنى شيئا ما، بينما خارج ذلك، يعنى أشياء ‏مختلفة بحسب وجهة النظر السائدة.‏ إن المكان يشكل مجرد وسيلة لكسب العيش، ولكنه ايضا يحقق الربح الوفير لمن يملكه، بل هو ‏يسمح بالكثير من الترفيه المرتبط بالعمل، وكما تقول "ليلى، جومانة مراد" والتى تعمل ليلا ‏بهذا المكان، بأنها تستطيع أن تفعل مالا تستطيع أن تفعله فى اماكن أخرى. نعم هناك شخصيات ‏ذات مستوى اجتماعى متفاوت، بعضها يصل الى درجة الفقر أو الافلاس، وبعضها متوسط المستوى. ‏إلا القليل منها يكسبون الكثير، وهم جميعا يعانون من ازدواجية الشخصية، حيث يعد المكان ‏‏"الكباريه" مصدر رزق فقط، بصرف النظر عن دلالته الاخلاقية والاجتماعية.‏ وربما كانت هذه الفكرة الاخيرة هى مصدر نجاح الفيلم، إذ ليس هناك تجريم للشخصيات أو محاولة ‏الاختصاص منها لمجرد أنها تعمل فى مكان له شبه معينة، ولكن بالطبع لا يجعل الفيلم نوعية ‏العمل بالكباريه مجرد عمل عادى، والمعالجة تستفيد من طبيعة المكان ونوعيته لتنقل الصراع ‏بين الشخصيات الى صراع فكرى واخلاقي متداخل التركيب. ‏ ربما كانت نقطة الضعف الفنية أن العناية باعداد المكان نفسه "الكباريه" لم تكن كما ‏ينبغى، لكنه يعد مقبولا فى اطار التصوير الداخلى لبعض الافلام المنتجة فى مصر.‏ حيث طبق موقع التصوير بدا واضحا من خلال الديكورات والتفصيلات الأخرى، مثل عدد ‏الطاولات والكراسى القليل، والزواية الصغيرة التى يغنى فيها المطرب، وحركة الراقصة ‏المحدودة. ورغم أن الكثير من الأفلام المصرية قد اعتدت على ابراز الملهى بحضور مطرب أو فرقة ‏أو راقصة، إلا أن الجانب التقنى فى تصوير الملاهي يعد محدودا جدا، حتى انه يمكن القول بأن ‏بعض الافلام القديمة كانت أفضل، كما فى "الرجل الثانى" لعز الدين ذو الفقار.‏ سوف نلحظ بأن مكتب صاحب الكباريه "فؤاد حامد" يكاد يكون مفصولا وكأنه فى مكان آخر. ‏الأمر نفسه ينطبق على مكان "دورات المياه" حيث مكان "خميس" شقيق صاحب الكباريه، وأظن ‏أن الاهتمام بالمكان كان ضرورة تفرضها مجريات الأحداث، رغم أن الجهد المبذول كان مقبولا.‏ مناطق متباعدة:-‏ ‏ يتركز الحدث الدرامى فى عدة مناطق متباعدة، أهمه الصراع الذى يدور بين شقيقين "فؤاد ‏وخميس" الأول انتزع كل شىء من الثانى وسيطر على الكباريه محل الصراع، بسبب فقدان خميس ‏لرجله اثناء دفاعه عن المحل.‏ ربما كانت هذه الصورة هى أفضل ما فى الفيلم. إذ تستدعى ظروف العمل فى مصر هذه الاماكن ‏ان يتم التعامل مع ما يفرضه الواقع فقط. وعندما تحول خميس الى شخص أعرج، صار مجرد عامل ‏فى دورات المياه، ليصبح بعد ذلك أقرب الى المتشرد الهامشى وضحية من ضحايا الملهى الليلي ‏عندما يشتد الصراع ويتعاظم التنافس بين الأفراد.‏ فى مقابل ذلك، هناك "فؤاد" الأخ الكبير الذى يعيش حالة من الازدواجية، يفرضها عليه ‏المجتمع، إنه يتصرف وكأنه رجل مهنة فقط، يعمل فى الكباريه، لكنه لا يشرب الخمر ولا يتعاطى ‏المخدرات. بل لديه مشاغل دينية، يعبر عنها بسماعه للمدائح والأذكار، وهو ايضا ينوى ‏التوجه الى العمرة، ويقضي وقته احيانا وهو يرتدى الجلابية البيضاء، فلا يكاد يدخل ‏الصالة الرئيسية الا نادرا.‏

يمكننا القول بأن الازداوجية هنا كانت مراوغة، لأن الشخصية مركبة، تحمل معها عدد من ‏التناقضات فى داخلها وخارجها، رغم أن المنطق الشكلي الذى تتحدث به الشخصية صحيح وسليم ‏فى ظاهره لأنه لا يختلف عن تاجر المخدرات الذى يتظاهر بالورع والتقوى.‏ بالاضافة الى الشخصية المركبة "فؤاد" أجاد السيناريو تصوير شخصية الفتاة "ليلى" والتى ‏نراها فى بداية الفيلم تقوم بغسل أمها وكأنها تودعها الى الموت، رغم أنها تنوى العودة ‏ليلا الى البيت ومعها الدواء المطلوب، والشخصية تقودنا الى شخصية أخرى "فرعون". إنه ‏فتوة الملهى وخطيب ليلى تقريبا. واثناء ذلك نتعرف على فتاة تدعى "بوسى" أرسلت الى ‏‏"ليلى" من قبل طرف ثالث، والفتاة هنا من الشخصيات المتكررة، حيث تتعرض الى الاعتداء من ‏قبل زوج أمها، وتتعرض الى الغواية ايضا من قبل أطراف أخرى، ولا يبقى أمامها الا العمل ‏فى الكباريه نحن ايضا ننتقل الى بيت آخر "بيت أم حبشى" وهى عراقية مستقرة بالقاهرة ‏وتعمل فى مجال توزيع الاغانى، والاخيرة قامت بدورها الممثلة هالة فاخر بامتياز شديد.‏
ظاهر وباطن
هناك شخصيات أخرى مكملة لفكرة تعدد الشرائح الاجتماعية، ومن ذلك مثلا شخصية "شعلان" ‏وقد قام بأدئها فتحى عبد الوهاب، وهو متطوع منتمى الى جماعة دينية، تنوى تفجير ‏الكبارية. ومثلما تخرج الكاميرا لتتبع بعض الشخصيات نجدها ايضا تصور مكان هذه الجماعة، ‏بحضور أميرها "محمود الجندى" حيث توجد مباراة للفوز بما تسميه الجماعة "الشهادة" ويشير ‏الفيلم الى وجود شخصية أخرى مستعدة للقبول بالدور الذى سيتولاه شعلان.‏ ومثلما تتظاهر معظم الشخصيات بعكس حقيقتها، مثل فؤاد مثلا، وليلى التى تخفى طبيعة ‏عملها عن أمها وعن أهل حارتها حتى اللحظات الأخيرة، فإن شعلان يتظاهر بأنه مجرد زبون يتردد ‏على الكباريه لكى يكون ذلك مقدمة لتفجيره.‏ والواقع أن الفيلم يقف موقفا سلبيا ازاء الكثير من الاحداث، فالكاميرا هنا محايدة ‏وحائرة ولا تجد المعالجة منقذا إلا عن طريق شعلان نفسه الذى يتغير موقفه فى اللحظات الاخيرة ‏ويرفض فكرة التفجير، وفى ذلك ملمح ايجابي مهم. لكن الأمر لا يمكنه أن يقف عند هذا من ‏الحيادية السلبية.‏ هناك شخصيات أخرى جانبية ودرامية فى نفس الوقت، شخصية فرعون مثلا "محمد لطفى" هو أحد ‏المحاربين فى حرب 1973 وفقد صوته فقط فى الحرب، ولقد دفعته الظروف الى العمل فتوة للملهى ‏الليلي، ولسان حاله يطالب بالتعويض، ثم نجده وقد انهار أمام سطوة رجال آخرين، فيفقد ‏عمله بعد ان انهزم وصار مثل خميس، علامة من علامات الضعف والتراجع.‏ شخصية درامية اجتماعية تقليدية أخرى، إنه سيد "قام بالدور علاء مرسى" وهو مجرد عامل ‏بسيط يجمع النقود التى يرميها الزبائن فى الملهى، ورغم كثرة هذه النقود إلا أنه فقير وهو ‏يحتاج لدفع مصاريف تعليم ابنته، والشخصية غلب عليها طابع الميلودراما ولم تظهر ‏بأعتبارها بشرا.‏ والحقيقة أن هناك شخصية خارجية، ليس لها علاقة بالملهى، وهو "صابر" والذى يتعرض الى ‏مضايقات فى الخارج واعتداءات من الشارع، ويفقد بالتالى المبلغ الذى كان ينوى تسليمه الى ‏سيد، ويضيف الفيلم بعض الخصوصيات. إذ تقطع له رجله بعد حادثة سيارة أصيب فيها. ويمكن ‏القول بأن هذه الشخصية هى أضعف الشخصيات رغم نجاح الممثل فى الأداء حيث يمكن ازالة بعض ‏مشاهدها دون أن يتأثر سياق الفيلم.
‏

أطراف متصارعة:-

‏
ايضا هناك شخصية أخرى لصيقة بالملهى، وهى شخصية المطرب "بلعومى" والتى شخصها بنجاح ‏الممثل خالد الصاوى، حيث نجده على علاقة بامرأة عراقية مستقرة بالقاهرة وتعمل فى مجال ‏انتاج الاغانى، ورغم أنها لم تعرف العراق، إلا أنها تتعاطف مع المآسى داخل العراق. وهى وجه ‏فيه ازدواجية مركبة ايضا.‏ فى نفس الوقت يعيش المطرب حالة من الغيرة المستمرة من مطرب جديد بدا يعمل فى الملهى وهو ‏أبو السعود "أدوارد" عندما يحاول مدير الملهى الاستفادة منهما سويا غير أن المجريات تدل ‏على أن المطرب الجديد هو صاحب الافضلية، وخصوصا وأن شركات الاسطوانات قد بدأت تراهن ‏عليه، فى حين يفشل المطرب السابق فى تحقيق أى نجاح متميز رغم وقوف المنتجة العراقية معه ‏واصداره لفيديو كليب جديد لم يحقق نجاحا واضحا.‏ فى نفس الوقت تطالبه زوجة المطرب بالطلاق، حيث ترفض عمله فى الملهى وترفض نقوده من هذا ‏المصدر، والزوجة هنا تمثل رديفا للحالة الدينية المسيطرة على الفيلم من جميع وجوهها.‏ ان هذا المطرب "بلعومى" يتصرف بعصبية فى نهاية الفيلم ويستخدم السلاح للتخلص من المطرب ‏الجديد، بعد أن أشتد أوار المنافسة.‏ يحتوى الفيلم على عدد كبير من الاغانى، ومن الصعب القول بأنها خارج السياق، فهى من ‏متطلبات المكان، وخصوصا وأن الأحداث الفعلية داخل الفيلم قليلة، وهناك مشاهد زائدة ‏يمكن التخلص منها.‏ ومن جانب آخر تستخدم الأغنية لجذب الجمهور، ويمكن أن نذكر بأن هناك أغنية تعبر عما يحدث ‏فعليا فى أجواء الملاهى وما تنتجه شركات الاغانى، ونقصد بذلك الأغنية المزدوجة بين العامية ‏والقصيدة، وذلك بقصد ارضاء نوعية معينة من الزبائن، ومن ذلك مثلا الزبون الخليجي الذى ‏حاول أن يقترب من الفتاة الصغيرة "بوسى" فرفضته فى البداية وهربت الى خارج الملهى لتجد ‏بأن الاختلاف بين الأمكنة شكلي فقط، وربما كان الملهى أرحم ولذلك عادت إليه من جديد فى ‏مسار غير مرسوم بشكل جيد.‏ شخصيات متناقضة:-‏ ‏"علام" أو أحمد بدير، هو ايضا شخصية أخرى تعمل فى الملهى الليلي، ويجعله الفيلم رجلا ‏ليصنع منه شخصية مركبة، جعلته الظروف المادية يعمل فى المكان وبمرتب كبير مقارنة بغيره من ‏الاماكن. هذه الشخصية يلتقى بشعلان، بعد أن أفرط الثاني فى الشراب لأول مرة ولم يتمكن من ‏تفجير الحزام الناسف الذى يرتديه داخل ملابسه.‏ تلتقى الشخصيتان، فيجدها علام فرصة لكى يدعوه ببعض كلمات، لربما اعتاد أن يقولها كلما ‏وجد الفرصة سانحة، وبالطبع تسرع الفيلم بجعل الكلام مقنعا، أن يترك العمل فى هذا المكان ‏ويبحث عن غيره ولو بمرتب صغير، ولكن بدا واضحا ومن طريقة الممثل فتحى عبد الوهاب أن ‏هناك مراوغة وابتسامة شاحبة تقود من حالة الى أخرى بهذا كان الوحيد الناجي من الانفجار ‏هو علام الذى يترك المكان مقتنعا. وكما قلنا فإن الفيلم يحتوى على شىء من التسرع، فهذه ‏الشخصية اقتنعت بكل سهولة ومن مجرد كلمات جاءت بالصدفة والحقيقة أن الفيلم يفكر فى ‏الأمر من جانب آخر، ذلك أن اقتناع شخصية ما بالحوار يلغي تماما أسلوب التفجير، ويجعله ‏مرفوضا، ولذلك وقف شعلان بعدما أحس بتأثير الكلمة فى الطرف الآخر رافضا أن ترسل الجماعة ‏شخصا بديلا ليقوم بالتفجير، بل وقف ضد زميله من نفس الجماعة محاولا أن يمنعه، وربما كان ‏هذا أفضل ما فى خلاصة الفيلم.

تمر السيارة وهى تحمل رفاق الأم على المكان الذى تعمل فيه ليلى، لتعرف الأم ولو بعد فوات ‏الأوان أن ابنتها قد اختارت أن تكون فتاة ملهى. هناك جانب مليودرامي فى الفيلم. كما ‏ان العامل "سيد" قد قرر سرقة المال ليمنحه لابنته بينما صاحب المحل يسعى للقيام ‏بالعمرة فى اليوم الموالى. أما الفتاة فقد دخلت الملهى بحثا عن غطاء ترتديه لتواكب جثمان ‏امها الى المقبرة بصرف النظر عن الزمن والموعد القابل للانتظار. كما أن الأخ خميس مطرود ‏وهو يقضى ليلته الأخيرة فقط.‏ ان الشخصيات تدخل وتخرج من الملهى. رمزيا وفعليا والفارق بين الحياة والموت مجرد ساعات ‏قليلة.‏ لقد وقع الانفجار والذى صور بطريقة جيدة، كان من الممكن أن تكون أفضل من ذلك، واللحظة ‏هنا يمكن أن تكون محايدة. حيث تصمت المشاعر حسبما يشير الفيلم بما يتضمنه من حوار ‏ومشاهد. ان لحظة الحياد هنا سلبية بالطبع، فهؤلاء الناس يستحقون الشفقة، بصرف النظر عن ‏مكان عملهم، وما الملهى الا مكان من الأمكنة العامة مثل غيرها، بدون تقييم اخلاقى مباشر ‏وقع فيه الفيلم بحكم المواقف وطبيعة الشخصيات المختارة.‏ ان الحديث يطول حول الاختيار الرمادي بين الدين والدنيا، حيث تحول تفجير الملهى الى مجرد ‏خبر يبث فى القنوات التلفزية وبصيغة رسمية تدعو الى الاستقرار وعدم الانفعال، فنحن ازاء ‏تفجير سببه ماس كهربائي عارض، وكأننا نقول بأن الأمر يدخل ضمن نطاق القضاء والقدر وهو ‏كذلك فعلا، ولكن ذلك يعنى أن الخيوط مقطوعة مع تلك الجماعات الدينية أو ان هناك من يتستر ‏عليها.‏ ‏ لقد احتوى الفيلم على شخصيات كثيرة، وربما رفع التمثيل من مستوى الفيلم، وخصوصا بعض ‏الممثلين مثل صلاح عبد الله فى دور فؤاد وفتحى عبد الوهاب فى دور شعلان وماجد الكدوانى فى دور ‏خميس وهالة فاخر فى دور ام حبش وخالد الصاوى فى دور بلعومى ومحمد لطفى فى دور فرعون وأحمد ‏بدير فى دور علام وجومانة مراد فى دور ليلى.‏ بالاضافة الى ممثلين آخرين كانوا اضافة مهمة رغم عدم أهمية أدوارهم دراميا، ومن ذلك ‏العريس الذى تقدم له المنشاطات بشكل مستمر، وهو فى غير حاجة إليها.‏ ربما استفاد هذا الفيلم من فيلم "كازينو" لمارتن سكورسيزى، لكنه يسير نحو اتجاهات أخرى ‏لها طابع اجتماعى وميلودرامى، وهذا ما يحسب للفيلم. الأمر الذى يقود الى القول بأن ‏كباريه بكل ايجابياته وسلبياته، يعد من أهم الافلام المصرية المنتجة فى السنوات الاخيرة.‏

الأربعاء، 13 مايو 2009

فيلم "سبعة أرطال": الحياة على حافة خيط رفيع





سبع عطايا من شخص واحد


يمكننا ان نعود الى مسرحية شكسبير الشهيرة "تاجر البندقية"

لنلتمس منها خيطا صغيرا ‏يقربنا الى هذا الفيلم "سبعة أرطال" لمخرجه

الايطالى غابيريل ماسينو فى ثانى تجربة له على ‏صعيد الافلام الامريكية،

بعد تجارب ايطالية محلية.‏

كل من قرأ هذه المسرحية الشهيرة يعلم بأن المرابي شايلوك قد طلب رطلا من

لحم المدين ‏انطونيو فى حال عدم دفع المال فى الأجل المحدد، وبالفعل كان

شايلوك يريد ذلك، لولا أن لاح فى ‏الأفق خبر من أراد أن يتدخل، بصرف النظر

عن مجىء السفن أو عدم مجيئها.‏

فى هذا الفيلم سارت الأمور على العكس تماما، اذ ليس هناك من يدفع أو يطالب

بالانتقام ‏تعويضا، بل هناك من يقدم أرطال من اللحم للآخرين، تعبيريا عن

المساعدة وبديلا عن الأخذ ‏بالعطاء.‏


خيط رقيق:-‏

ربما كان الخيط دقيقا، غير أنه من الوضوح بحيث يصبح موضوعا دراميا بديلا.

لكن وفى جميع ‏الأحوال لا تأتى المساعدة عشوائية وبلا تبرير درامى واضح

والشخصيات لابد لها أن تترك وفق ‏بواعث معينة، ولهذا وجدنا "بورشيا" فى

مسرحية شكسبير تتنكر فى شخصية المحامى لتنقذ من ‏ساعد خطيبها، وتدافع عنه

دفاعا بليغا وقانونيا وتنقذه فى اللحظات الاخيرة.‏

فى هذا الفيلم "سبعة أرطال" هناك حوافز وبواعث، ليست عاطفية صريحة، ولكنها

متعلقة ‏بتساؤلات حول الموت والوجود والتكفير عن الخطيئة، وقبل كل شىء

البحث عن فداء النفس ‏والتضحية من أجل الآخرين.‏

شخصية واحدة: -‏

كما هى عادته فى أفلامه الأخيرة يضع الممثل "وليام سميث" نفسه فى اطار

الشخصية الواحدة، ‏المهيمنة تقريبا على كل الفيلم، وهذه الشخصية قد تكررت

معه فى فيلمه السابق "هانكوك ‏‏2008" رغم الاختلافات الظاهرة فى تكوين

الشخصية، وكذلك فى فيلم "أنا اسطورة 2007". ايضا ‏فى فيلم "على 2001" وفى

فيلم "اسطورة باقرفيت 2006".

كما يذكر أن للممثل فيلما اخرجه ‏نفس المخرج "غابيريل ماسينو" وكان بعنوان

"ملاحقة السعادة" انتاج 2006 واحداثه ‏متقاربة لموضوع هذا الفيلم "سبعة

أرطال" بل يمكن اعتبارها مقدمة لهذا الفيلم.‏

من أين يمكننا أن نبدأ؟ وكيف يمكننا أن نصل الى النهاية؟

يصيبك هذا الفيلم بالحيرة، اذ يوشك نصفه تقريبا أن ينتهى، بلا امكانية

لالتقاط أى معنى ‏واضح. ان الشخصية الرئيسية "بين توماس" تتحرك وهى تعرف

لماذا تفعل ما تفعل! غير أن ‏المشاهد المتابع للفيلم لا يمكنه أن يدرك ذلك،

حيث لا توجد معلومات مطروحة لها طابع تمهيدي ‏كما يحدث فى أكثر الأفلام.‏

فى أول مشاهد الفيلم نجد رجلا مثقلا بالألم والمعاناة، يتصل بالاسعاف،

مبلغا عن جريمة انتحار ‏وسوف تقع، وعندما يسأل عن المجنى عليه يقول بأنه هو

الضحية. لكن "السياق لا يكمل الحدث ‏ويقفز الى مشاهد أخرى متداخلة، لا توضح

المقاصد بل تزيدها ارباكا.‏

خارج الكادر:-‏

فى مشهد آخر يأتى الصوت من خارج الكادر: لقد خلق الله العالم فى سبعة أيام

وانا أخرب ‏عالمي فى سبع ثوانى، هذا ما يقوله بين توماس. نعم ربما كانت

المشاهد التالية هى التفسير ‏لمثل هذه المقولة، لكن رغم ذلك فالفيلم يحافظ

على سريته، فلا يفصح عن شىء إلا مع مرور ‏الزمن، وهو غير متسرع فى الكشف عن

خفاياه. وفى هذا الصدد، ربما لا يبالى بالمتفرج ولا يكاد ‏يهمه أمره.‏

كما نعرف، يقول لنا كتاب السيناريو. بأن على الفيلم أن يقدم شيئا ما خلال

الربع ‏الساعة الاولى ليورط المتفرج معه. غير أن هذا الفيلم لا يقدم لنا

شيئا مهما كان واضحا حتى ‏بعد ساعة كاملة من الاحداث، وبالطبع بنية الفيلم

تقوم على عدم الوضوح أو الخفاء ‏المتدرج.‏

انتحال شخصية:-‏

فى مشهد معين وفى منتصف الفيلم تقريبا، يطلب الأخ من أخيه أن يرد له بطاقة

الهوية التى ‏اخفها منه أو بالاحرى سرقها منه، وفى مشهد سابق يسأل الأخ

الصغير لاخيه "بين" إذ كنت قد ‏أخذت منى شيئا فيرد عليه بأنه يتذكر ما

اعطاه فقط، وبالفعل فقد كانت عطية الأخ "بين" ‏كبيرة، لأنه تبرع بجزء من

رئته لمصلحة اخيه المريض بالسرطان.‏

رغم ذلك، نشعر بالشك بأن "بين توماس" يعمل فى مصلحة الضرائب، ولا ندرك انه

ينتحل شخصية ‏اخيه إلا متأخرا. هناك تعدد واضح فى اختيار اماكن التصوير،

وهذا التنوع أسهم فى تحريك ‏الحدث الرئيسي الساكن، حيث يجد المشاهد نفسه

أمام ممارسة تحليلية وليس مجرد تطور فى ‏الأحداث.‏

يدخل "بين" أحدى المستشفيات والتى يعمل بها "ستيورات" ويطلب من عجوز مريضة

أن توضح ما ‏تريد، فتكتب له على ورقة، مقدار تدمرها من الطبيب سيتوارت

ويجدها تطلب حماما فقط ‏فيأمر بذلك.‏

ليس لبين أية علاقة بالمستشفى، لكنه يتحاور مع ستيورات حول احدى العظام

التى يمكن أن ‏يتبرع بها. وهو يريد أن يعرف هل يستحق ستيورات هذا التقدير

وهل هو رجل جيد أم سىء. ‏هناك شىء من السذاجة والتبسيط، لكنه أمر مقبول.‏

قائمة مختارة:-‏

يتجه الفيلم الى شىء من السطحية النسبية، ويتضح أن "بين توماس" سوف يقوم

بالتبرع ‏بأجزاء من جسده لبعض المعارف، وعليه ان يدرك مسبقا هل هم يستحقون

ذلك أم لا.‏

سوف نجد فى بداية الفيلم استعراض القائمة من الافراد، على شاشة الحاسوب،

ومن هؤلاء ‏‏"أزرا" الرجل الأعمى الذى يعزف الموسيقى، وربما يعمل ممثلا أو

وكيلا لاحدى شركات توزيع ‏الأغذية، يلفت ازرا الانتباه، بسبب تمثيل "وودى

هاريسون" المتقن، وعندما يتصل به "بين ‏توماس" يكتشف بأنه أعمى فيحمل على

اهانته والسخرية منه ويبالغ فى ذلك، لكن الرجل لا ‏يهتم بكل ذلك ويحافظ على

شخصيته الهادئة، ولذلك ينال اعجاب بين وبالتالى يضعه فى القائمة ‏الرئيسية.‏

يتكرر معنا هنا "الرقم سبعة" ايضا، فنحن ازاء سبعة أفراد تشملهم قائمة

واحدة، ويعمل ‏‏"بين" على الاتصال بهم، واحيانا التعرف عليهم، والسبب يرجع

الى أنهم قائمة من المرضى، وكل ‏مريض يحتاج الى علاج لا يتأتى الا بالتبرع

بأحد الأطراف، لذلك قلنا بأن شخصية "بين توماس" ‏تمثل التضحية أو الفداء.

لإنه يقدم نفسه قربانا من أجل الآخرين، وهذه الازمة المتكررة فى ‏السينما

تتداخل دائما مع فكرة المسيح، الذى قدم جسده فداءا لشرور الآخرين.‏

شخصية مختلفة:-‏

فى مشهد آخر يزور "بين توماس" امرأة تدعى هولي ويطالبها بتسمية شخص ما

يستحق المساعدة، ‏وهو بالطبع يثق فيها وفى اختياراتها المؤكدة، وبالفعل

تسمى له امرأة من امريكا ‏اللاتينية تدعى "كونى" تعيش مع طفليها، وهى تتلقى

الضرب والاهانة من صديقها الذى يعيش ‏معها.

ولأن "بين توماس" قد نذر نفسه من أجل خدعة الآخرين، يقترح عليها المساعدة،

على أن ‏تتصل به عندما ترى الوقت مناسبا. ورغم انها ترفض فى البداية بسبب

الخوف، إلا أنها تتصل ‏به، حيث يهديها أورق ملكية بيته المطل على البحر

لتسكن فيه، بينما يستقر هو فى أحد ‏الفنادق المتواضعة ولفترة محدودة.‏

لم يتمسك "بين توماس" الا بقنديل البحر وهى السمكة التى اهداها له والده

منذ سنوات ‏طويلة محفوظة فى اناء زجاجى، به ماء فيتجدد باستمرار.‏

ولابد للمشاهد المتابع ان يدرك مبدئيا بأن هذه النوعية من السمك مسمومة

وشهيرة بعضتها ‏القاتلة، لقد نقل هذه السمكة معه الى الفندق المتواضع لأمر

معين يدبره لنفسه.‏

شخصية رئيسية: -‏

هناك شخصية رئيسية يحرض بين على متابعة حركاتها وسكانتها، وهو ينتحل شخصية

أخيه لغرض ‏الاقتراب منها، وفعلا يظهر لها بأنه على دراية بحسابها

الضرائيبي، وما يجب ان تدفعه الى جهاز ‏الضرائب. انها شخصية "أميلى" الفتاة

التى تعيش بقلب مضطرب وقد قدر لها الأطباء أن تموت ‏خلال شهر أو أقل وهى

تحتاج الى الدم باستمرار ودمها من فصلية نادرة.‏

تقوم بدور اميلى الممثلة "روزا توماس" ليمنحها عطية من عطياه، وهبة يرى

انها تستحقها ‏عن جدارة. فى هذا الصدد يبدوا بين" شخصية شادة ونادرة وغريبة.‏

لكن "بين توماس" يقع فى حب هذه الفتاة، بعد ان حاول الانصراف عنها اكثر من

مرة.

ثم نجده ‏يقدم لها يد المساعدة بشكل عام ايضا. إنه يزيل الاعشاب الزائدة من

حديقتها ويحاول أن ‏يصلح لها آلة طباعة قديمة وينجح فى ذلك.‏

كما يختار السيناريو أن يركز على الكلب كبير الحجم الذى اختارته ليكون معها

باستمرار، ‏وقد كان وسيلة تواصل بين الشخصين فى أكثر من مرة.‏

عاطفة خاصة:-‏

أن الفتاة اميلى تعمل فى طباعة بطاقات الافراح والتهانى وغيرها، وربما شعرت

بأن الغريب ‏الذى يلاحقها، لا يمكنه أن يكون محاسب ضرائب، وحتى بعد أن

عرفته جيدا وعرفت انه مهندس ‏طيران، لم يدر بخلدها انه ينوى أن يقدم لها

هدية خاصة لا تقدر بثمن.‏

بين الحين والآخر يعود الفيلم الى الماضى، فى بلاش باك سريع وخاطف، احيانا

يكون بين "بين ‏توماس وخطيبته". واحيانا يكون مجرد تصوير لبقايا حادث سيارة

ومريع، ومع اقتراب الفيلم ‏من نهايته يتضح الموقف أكثر.‏

يبدو الفيلم رومانسيا أحيانا، وخصوصا عند تصويره للعلاقة بين "أميلى وبين

توماس" ويتضح ‏ذلك فى الاعتماد على الاغانى الشعبية القديمة، لكنه الخط

الدرامى لا يستمر طويلا فى هذا ‏الاتجاه، ولاسيما وأن الشخصية الرئيسية

تتحرك بحوافز ذاتية ونفسية وتقودها فكرة ذهنية ‏تسلطية، لا سبيل الى

التراجع عنها أو الهروب منها.‏

نهاية محيرة: -‏

تفسر لقطات الفلاش باك بعض ما هو مهم، فبسبب استخدامه للهاتف المحمول يتعرض

"بين" وهو ‏يقود سيارته الصغيرة وبجوار، خطيبته، الى حادث خطير يكون هو

السبب المباشر فيه، ويؤدى الى ‏قتل ستة اشخاص فى حافلة صغيرة، بالاضافة الى

خطيبته، وهو أمر يدفعه الى الشعور بالذنب ‏ويدفعه الى التكفير عن خطايا

بطريقة عاجلة، ويقرر أن يهب نفسه لمساعدة الآخرين، بل يمضى ‏الى أبعد من

ذلك، فيمنح سبعة اسخاص أجزاء من جسده، بتنازل قانونى وشرعى.

لقد منح مثلا ‏أحد المهربين للعبة الهوكى كلية واحدة، ومنح أخاه جزءا من

الرئة ومنح جزءا من الكبد ‏لهولى واعطى نيكول قطعة من العظام. اما ازرا فقد

أوصى له بقرنية واوصى بقلبه للفتاة ‏التى احبها وهى اميلى.‏

نعم لحظة انتحار فى النهاية بواسطة قنديل البحر المسموم، وهناك بعض

المبالغة فى تصوير ‏الشخصية، لكن يبقى الفيلم من نوعية مختلفة ونادرة لا

تتكرر كثيرا فى أسواق السينما ‏التجارية.‏