الأحد، 28 سبتمبر 2008

السينما الافريقية والبحث عن هوية----------الجزءا لأول




السينما الافريقية والبحث عن هوية

الجزء الأول

(1)

كثيراً ما ينظر إلى الشريط الأفريقي عالميا على أنه مجرد طبق متنوع وغريب ويدخل ضمن نطاق المعرفة بالفروع الجانبية وليس المسار المركزي للثقافة .

هذا الرأي الذي فيه قليل من الصحة ، تأكد وانتشر في مراحل معينة دون غيرها ولا سيما في التسعينيات في أمريكا وأوروبا ، واستمر مع توق الجمهور إلى التعرف على السينما الأفريقية بشكل أوسع مع تجديد الإنتاج السينمائي الأفريقي الذي ساعد على استشراء هذه النظرة الغرائيبية من قبل الجمهور الغربي عموماً ، وهكذا ظل الشريط الأفريقي مجرد طراز جانبي فرعي على هامش السينما العالمية تتوفر فيه خصوصيات النزعة الفلكلورية بحسب قراءة النقاد والجمهور في إطار مركزية السينما العالمية .

وبرغم المخاطر التي قد تنجم عن أن الإنتاج السينمائي الأفريقي قد كان معبراً فعليا عن هذا الاتجاه ، إلا أن السينما الأفريقية قد استفادت كثيراً من بقائها في موقع متصدر يجلب الأضواء إليه ، فكانت بالتالي مصدرا للعديد من الدراسات النقدية للطلبة والباحثين الذين ينشرون أعمالهم بين الحين والآخر .

2

هذا المدخل هو مقدمة لتناول بعض الكتابات التي تهتم بالسينما الأفريقية ، وهي كثيرة في السنوات الأخيرة ، ولا سيما في أمريكا وفرنسا وبريطانيا ، وقد جاء عنوان الكتاب الأول باسم "تساؤلات أمام السينما الأفريقية "من إصدارات 2002 للمحرر فرانك يوكادايك، أما الكتاب الثاني فهو بعنوان : "السرد والرمز في السينما الأفريقية " من منشورات سنة 2000 لمؤلفه جون جيفاني ، ولا شك أن الكتابين قد اعتمدا على الانتعاشة السينمائية الأفريقية التي برزت في منتصف الثمانينيات واستمرت إلى الآن .

يضم الكتاب الأول أعمال ندوة لندن السينمائية حول نفس الموضوع 1995 التي نظمها معهد السينما البريطاني ، مع إضافة بعض الحوارات الصحفية مع مخرجين من أفريقيا ، باعتبار أن هذه اللقاءات هي تكملة للبحث الدراسي المنشور سنة 1994 وكان بعنوان : " سينما أفريقيا السوداء" .

إن الكتابين يعدان إضافة جيدة إلى ما سبق أن نشر من كتب في نفس المجال مثل : " السينما الأفريقية .. السياسة والثقافة " لمؤلفه "مانيتا ديايورز " و كتاب " التجارب السينمائية الأفريقية للكاتبين " أمبرو باكاريز" و"أمبالي تشامز " بالإضافة إلى الكتاب المهم الذي ألفه المخرج "غاستون كابوري" والذي كان عنوانه " مائة عام من السينما " لاشك أن هذه الكتابات قد أسست في تراكم المواد الدراسية النقدية لتأسيس مداخل حيوية للسينما الأفريقية وخصوصاً إذا أضفنا إلى كل ذلك ما هو متاح باللغة الفرنسية بواسطة العديد من النقاد ومنهم بولين سمانو فييرا وفريد بوغدير ، وبيير هافنر وأندريه كاردنر وأوليفر باريت وغيرهم .

(3)

لقد لـمّح بعض النقاد بان الشريط الأفريقي قد وجد نفسه عمليا في حالة من الجمود ، ولكن وبحسب بعض الآراء أيضاً ، فإن ذلك يرجع إلى مشكلات الإنتاج والتوزيع ، وهو أمر ليس له صلة بالقضايا التي تطرحها السينما نفسها من داخلها .

من جانب آخر يمكننا القول بأن مواجهة العقبات لا تعني أن هناك عوارض تدل على ضعف السينما الأفريقية ، بل إن تجدد المشكلات دلالة على نضج هذه السينما وانتقالها من مرحلة إلى أخرى وهذا يعني أن هناك حاجة ماسة إلى التغيير في العمل الإنتاجي من حيث الممارسة والتطبيق والمعالجة النقدية .

إن الكتابين : " تساؤلات أمام السينما الأفريقية" و" السرد والرمز في السينما الأفريقية " يناقشان طرائف النقد المعاصرة في تعاملها السلبي مع السينما الأفريقية وتشير محتويات الكتابين إلى أهمية التأسيس لنقد فعال ومستقل ، يجري حرا وغير مقيد بارتباطات سياسية ومذهبية ، وهذا ما سيجعله أقرب إلى الصدق .

بناء على ذلك ، فإن الأسئلة هي المحور الرئيسي في الكتابين ، وهذا ما ينطبق على مناقشات مؤتمر لندن السينمائي وكذلك الأطروحات المتعلقة بالسينما الأفريقية والأسئلة الموجهة إلى المخرجين وصناع الأشرطة في أفريقيا وكل ذلك جوهر المحتوى .

بالنسبة لكتاب " جون جيفاني" يبدو أقرب إلى المتسلسلة من الفن المتصف بالعمق والرصانة المضافة إلى خصائص السينما الأفريقية العالمية .

يعمل الكتاب لأجل الحفاظ على نشر فعاليات مؤتمر لندن السينمائي وبشكل مكثف يستعرض أهم الأقسام وهي : التعريف بالسينما الأفريقية وتحديد مدى تطورها – المنظور الفطري والجمهور – التقنية وما بعد الحداثة – دور مسألة التحرر في تطور الشريط الأفريقي .

ويحتوي كل قسم على عدد من الإسهامات النقدية مع تقديم عام للجميع . أما الورقة النقدية الرئيسية وبعض المناقشات لها فقد أعدت بشكل نموذجي من قبل عدد من المخرجين .

4

بذلك احتوى الكتاب على إسهامات من (32) مدينة أفريقية ومخرج ، ولكن هذه الكثرة في التنوع أدت إلى شيء من الضعف والقوة في نفس الوقت ، إن الحجم أضاف خلفية غنية ثقافيا ، بسبب التعاون الجماعي وتبادل الحوارات ، لكنه حجب الاتجاه العام لنوعية الكتاب كليا ، بحيث ظهر الكتاب جامعا وشاملا لا أكثر ، مع أن القارئ يمكنه أن يقفز بين الموضوعات واختيار الحلول العملية والمجادلات المتعددة حول بعض القضايا ، وذلك حسب الأهمية ووفق نوعية الاهتمام ، ورغم أن مقدمة الكتاب قد قامت بمهمة حميدة لتوضيح القضايا الضرورية ، فإن القارئ غير المعتاد على المقدمات النظرية المطولة ، سوف يهملها للالتحاق بباقي أقسام الكتاب وهي الأهم .

إن هدف الكتاب فيه الكثير من التشويش على المحتوى الحقيقي للمناقشات لكن القسم النقدي يجعل الصورة أكثر جاذبية بالتركيز على الموضوعات من الداخل وقراءة المحتوى بشيء من التحليل ، ولا شك أن ذلك لا يخلو من طموح من قبل المبدعين والنقاد في حسن تعاملهم مع المداخل النقدية الجيدة والمغرية بإثارة المشكلات ، وهذا يعني أن المعالجات النقدية تتصادم بشكل مستمر بطريقة شبه تدميرية .

إننا نلحظ ذلك بشكل ملحوظ عندما ينتقد المخرج إدريس أودراغو النقاد في محاولاتهم السلبية لتصنيف الأشرطة الأفريقية وفق منظور ثابت اعتادوا عليه هذا التوتر يوضح إلى حد ما الخطورة التي يظهر عليها المشهد السينمائي الأفريقي من ضعف يتسلل إليه كثير من الأحيان ، تشمل محتويات الكتاب " تساؤلات أمام السينما الأفريقية " على أكثر من مناقشة أكاديمية من النوع النظري والعملي ، فيها الكثير من الاندفاع لتنتهي بالتأكيد على ضرورة مناقشة مسألة الجمهور في السينما الأفريقية ، وعلى الرغم من أن مناقشا واحدا وهو " جون بادن هورست " قد ناقش هذا الموضوع في مقالة خصبة المعاني ومكتوبة بشكل جيد ، حول التوزيع والتقنية ، أي أنها لم تنل الاهتمام الملحوظ إن ميزة الكتاب تتمثل في اقترابه من صناع الأشرطة باعتبارهم مخرجين ، بحيث تترك الإجابات عند المناقشة عمليا وعند التنظير .

5

على سبيل المثال نجد الموقف إثارة عند محاورة مخرج مثل إدريس أودر اغو ، الذي أكد بشكل توفيقي على أهمية النقد وخلق الطموح الكفيل بالبحث عن تطور الشريط الأفريقي ، مع الإشارة إلى الغموض المرتبط بمفهوم السينما التنوغرافية والاعتبارات المتعلقة بالسينما الأفريقية كافة ، سياسيا وثقافيا مثل قضية الهوية وغيرها .

لقد احتوى الكتاب على (20) مقابلة ،قسمت إلى ثلاثة أقسام ، مع وضع ذلك بطريقة تصنيفية تضع في اعتبارها تاريخ إنتاج الأشرطة والتسلسل التاريخي للمخرجين .

يضم القسم الأول حوارات مع من يشار إليهم على أنهم من التقليديين أو الرواد وهم أولئك الذين بدأوا باستخدام وسائط السينما وحددوا المفاهيم الأولى لهذا النوع ، وفي الحقيقة هو أقرب إلى السياق الفكري الأيديولوجي المرتبط بتحرير أفريقيا من الاستعمار الغربي ، ومن هؤلاء نجد سليمان سيسي وميد هوندو وصافي فايبي وايدى وقبسا وغيرهم،

ويلاحظ على هذا القسم إغفاله لاسم مهم وهو " عصمان سمبين " الذي لم يشر إليه محرر الكتاب يوكادايك ولم يجر معه حوارا ،رغم أنه الرائد الأول بامتياز .

ولكن من جانب آخر يمكن اعتبار هذا الإغفال من مزايا الكتاب لأن لهذا المخرج العديد من المقابلات والحوارات المعروفة ،ولذا يعد غياب سمبين شكليا فقط ، لأن ظلاله ملقاة على الجميع بمن فيهم المحاور ومعد المقابلات نفسه .

القسم الثاني من الكتاب يشمل حوارات مع الجيل الثاني من المخرجين الأفارقة ، ويقوم مركز نشاطهم على مفاهيم أقل ارتباطا بالايدولوجيا ، أو بتعبير آخر تبدو الايدولوجيا عندهم أكثر اتساعا وشمولا .

السينما الافريقية و البحث عن هوية --- ا لجزء الثانى




السينما الافريقية و البحث عن هوية

الجزء الثانى

ادا انتقلنا الى القسم الثالث من الكتاب، وجدناة يضم تركيبة جديدة جدلية ومتشابكة الآراء وهو القسم الأكثر إقناعا

وتنويرا وفيه نلتقي بالأصوات القديمة والجديدة في نقاش مع الجيل الحالي من صناع السينما الأفريقية ورغم أن هناك خطورة من استمرارية منح المخرجين اهتمامات متطابقة ومتساوية ومتداخلة ، إلا إن المناقشات تعد سهلة في إطارها العام وبسيطة في نتائجها ومفاجآتها المتكررة وخصوصا مع صغار المخرجين الذين أشرنا إلى أنهم اقل أيديولوجية مما يعرقل ما يتظاهر به المحاور من حيادية .

في ثنايا المقابلات يبدو المحاور يوكادايك على خلاف تام مع مواقف المخرج الكاميروني(جان بيير بيكولو) الذي قدم تحليلا مغايرا يعترض فيه على منح سمبين التكريم الأهم في السينما الأفريقية ، وببساطة يمكن دمج هذه المقابلة مع مقابلة المخرج (هيل جيرما ) بمنحهما خصوصية متميزة ، إضافة إلى المقدمة الأولى الخاصة بالشريط الأفريقي التي صاغها يوكادايك بنفسه .

وإذا كانت المقدمة المذكورة لم تعرج على دور المنح الفرنسية لدراسة السينما في أفريقيا ، فإن ورقة الناقد (أوليفر بارليت) قد أوفت بالغرض المطلوب .

لقد كان أسلوب طرح الأسئلة هو المعتمد في الكتابين ، لكن الحوارات ابتعدت عن الاهتمام بالمؤتمرات التقليدية الأفريقية المتعارف عليها ، وباستخدام الأنماط الجاهزة والتعابير المكررة ،ولاسيما ما يختص منها ببدايات التأسيس للشريط الأفريقي .

ولكن هناك بعض الخطوط العامة التي يصعب إغفالها ، ومن ذلك أن السينما الأفريقية تميل إلى أن تكون سينما المؤلف ، منذ سنة 1960 وبشكل نموذجي ، وبالتالي اقتربت الأشرطة المعنية من التعليمية التي تحتفي بالوعظ والإرشاد عدا القليل من الانتاجات ، وقد بدا ذلك واضحاً في نماذج من المخرجين أمثال ( عثمان سمبين ونقانقور اموير) ولقد كان الشعار المرفوع أن تكون السينما مجرد درس مسائي للجمهور على حد رأي سمبين نفسه.

إن المنتوج يرتبط بمبدعيه ، وهذا أفضل سبيل لضمان الثقة في الرسالة وأصالتها وهذا ما كان في بداية الستينيات فعلا ولكن المسالة تغيرت مع العقدين الأخيرين ومع وجود أجيال جديدة تتعامل مع السينما بمفاهيم مختلفة وتصورات تساير الاتجاهات العالمية ونمو القارة الأفريقية سياسيا واجتماعيا ، وتناميها ثقافيا والاهم هو مصادر إنتاج الشريط التي تتحكم في نوعية الإنتاج في ذلك يقول المخرج الموريتاني ( ميدهوندو) إن المخرج الأفريقي أشبه باليتيم بطريقة أو بأخرى لأنه يهمش داخل أفريقيا وخارجها ، وبالرغم من أن موقف المخرج الأفريقي وموقعه جعلاه أكثر تحديا للضغوط الخارجية ، فإن هذا الضغط لا يمكن ببساطة التعبير عنه بالنظريات التقليدية الخاصة بالتأليف السينمائي ، وعليه فإن المخرج الأفريقي مطالب بأن يخلق وسيلته الإستراتيجية الخاصة للعمل المتسم بالكثير من الشفافية في تدبير الموارد والتفكير في العمل المستقبلي .

لقد تم التركيز على المقدمة النظرية في كتاب (تساؤلات أمام السينما الأفريقية ) حتى أنها شغلت النصف تقريبا ورغم أنها كانت تقليدية الاتجاه فإنها أحتوت على مفاجآت كثيرة واستنتاجات غير معتادة وبالأخص ما يتعلق منها بالذاكرة الأفريقية التي استندت إلى أعمال سينمائية مبكرة ترجع إلى عصمان سمبين وفوكولت موديميل وغيرهما ممن حددوا السينما باعتبارها معركة مع الذاكرة ومما قاله (كاواناش) على سبيل المثال في حواره مع يوكادايل : اشعر بان الطريقة الوحيدة لإصلاح الضرر الذي لحق بالجنس الأسود في الشريط باعتباره وسيطا تكون باستخدام نفس الوسيط وبهدف الوقوف ضد الأنماط الثابتة ، فان هناك من يطرح مسوغا في أن تتقدم المناقشة نحو تلمس عناصر الوعي ونحو الذاكرة وطريقة التفكير وما يقوله ( واينتوا) يؤكد ذلك : إن مهمة المخرجين الأفارقة ليست فقط في تحرير العقل من المستعمر بل في تقديم إسهام أفريقي متميز للتجربة الإنسانية ، والتأكيد على الوعي لا ينبغي أن يكون على حساب الشكل والجماليات . مثل الكثير من الإصدارات المعنية بمعالجة قضايا السينما ، فان الكتابين قد أهملا الجانب الشكلي والمظهر الجمالي للأشرطة الأفريقية لمصلحة الجوانب السياسية والذاكرة وهو ما يبرهن على وجود مشكلات عدة لا علاقة لها بالشروط المادية للإنتاج والتوزيع ، إن أسئلة الكتاب تتساقط بالتدريج بسبب عودتها إلى العقبة المعروفة التي تقف أمام المخرجين في تواصلهم مع الجمهور ، ورغم أن هذه العقبة لا يمكن إنكارها فان القارئ يتمنى أن يتحدث المخرجون المتميزون بكل صراحة وأن تترك لهم كل الفرص للحديث عن فنهم بصرف النظر عن الهدف النبيل الذي يأتي مع طرح نوع من الأسئلة حول موضوعات بعيدة عن الأشرطة نفسها .

وهذا الإجراء الذي يهمل السؤال الجماعي ، هو طريقة للمحافظة على الوضع الراهن مما يعني أن استجواب صناع الأشرطة الأفريقية ربما يقود إلى تكرار ممل من الاهتمامات المادية التقليدية التي تعوق الصياغة النقدية على الأصناف الجمالية بل وتحديد مدى الإسهامات الجمالية لمخرجي القارة عموماً ولهذا يشعر المرء بارتياح إزاء انفعال المخرج "جان بيكولو " في المقابلة الصحفية ثم تعليقه قائلا :- "لا أحب الحديث عن السياسة والتوزيع .. في المحيط الأفريقي لا يتم الحديث عن الجماليات وهذا ما دفعني للعمل في هذه النوعية من الأشرطة ".

إن الدور المهم هنا يرجع إلى النفاد أنفسهم ويمكن اعتبار إشارة المخرج الشيخ عمر سيسيكو إلى قصة مع الصحفي الذي أراد أن يجرى معه حواراً أخيراً دليلاً على ذلك يقول سيسيكو بأن الصحفي قد سأله عن المرحلة التي يمكن أن تكون فيها السينما الأفريقية الآن، ولكن ما أن شرع المخرج بالإجابة عن السؤال حتى قاطعه الصحفي قائلا :- إنكم لمدة ثلاثين سنة تكررون نفس الإجابة ، وكان رد الشيخ سيسيكو بأن الصحفيين لن يغيروا طريقة أسئلتهم بل يعيدون نفس الأسئلة ولهذا تكون الإجابات مكررة ، وعندما تتغير طريقة وضع الأسئلة سيساعدنا ذلك على الإجابات بطريقة مختلفة عن السابق .

وكما يقال لا يحتاج الناقد إلى طرح الأسئلة لكنه يحتاج إلى طرح نوعية جديدة من الأسئلة باستقلالية تامة عن أي تقدير سياسي ولا فني للمخرجين المعروفين .

في السابق اعتاد صناع الأشرطة أن ينظروا إلى النقد بنوع من الشك ويعود السبب جزئيا إلى أوضاع الإنتاج الصعبة ، حيث تشكل الأشرطة الأولى للمخرجين نسبة النصف تقريبا ولذلك يحتاج المخرج إلى العمل لسنوات لتدبير الميزانية المطلوبة لشريطه ، في هذه الحالة فإن النقد مطالب كيفما كان الأمر بأن يكون إيجابيا وله مقاصد جيدة وحسنة وأي نقد آخر ينظر إليه على أنه جارح وشخصي ، فما ينتظر صناع الأشرطة الأفريقية ليس التقييم ولكن التأييد والمؤازرة وهذا يساعد على ترويح الشريط وبيعه ونجاحه ولاسيما في الخارج.

تشير مقالات "يوسي دايك" إلى أن العداء القديم نسبيا بين المخرج والناقد لم يعد موجودا كما كان في السابق مع المتغيرات التي صاحبت حركية السينما الأفريقية ، إن صناع الأشرطة يكادون يستجدون الجهود النقدية الجديدة إذاً الحاجة إلى النقد تبدو أكثر أهمية ، يقول المخرج ميدهوندو في ذلك يجب علينا أن نجد كلمات جديدة لتوصيف ، وضعية السينما الأفريقية ويقول هيل جريما : إن شبه انحدار عقلي أو ذهني سوف يحدث إذا استمرت المقولة مطروحة والتي مؤداها حك الجلد بالتبادل . نعم إن النقاد يهيمنون أحيانا ويصلون إلى مرحلة الإعجاب المطلق بالأعمال أي حالة من الرضا الجماعي.. يقول كيخ أمبوا :- أريد أن التقي من يقول لي إن الشريط غير جيد ولكن يصعب أن تجد ذلك في أوروبا أو غانا .. لاشك أن النقاد لو استمروا في التساؤل عن الحالة الراهنة للسينما الأفريقية سوف يسمعون نفس القصص المثبطة للعزيمة حول الميزانية وصعوبات التوزيع وهم بالتالي يعملون على الحفاظ على نفس الصورة لأفريقيا باعتبارها مكان العراقيل والصعوبات ، وإنه من الملائم أن يكونوا أقل اهتماما بإجراءات الشريط الأفريقي وتطبيقاته العملية وينشغلوا أكثر بالمؤثرات الفنية والجمالية للأعمال الفردية على صعيد القارة إذ يمكن عن طريق محاولة قراءة الجماليات الذاتية أن يتم سبر الآراء النقدية والوصول إلى أحكام أكثر إحكاما.

لقد عبر أحد المخرجين عن ذلك فقال :- عندما يلتقي النقاد بالمخرج ستيفن سبيلبرغ لا يسألونه عن السينما الأمريكية لكنهم يسألونه عن أشرطته فقط " كما يمكن أن نقول باختصار بأنه ليس مهماً القول بأن السينما الأفريقية هي مخزون الذاكرة لو أن الأمر قد درس جماليا لا أيديولوجيا .

في يوم ما سوف يعلن الأفارقة عن إعادة تقديم الصورة الأفريقية على أنها ليست مجرد صورة طرزان ، ذلك أمر قد يكون بسيطا ولكن من المهم أن يعلنوا أن السينما مدينة للعالم بتقديم إجابات وآن لهم أن يقدموا بعضها.

السبت، 27 سبتمبر 2008

من خزانة الأشرطة :- امريكا شيكا بيكا



تلاشى الأحلام الوردية

(1)

تناولت الخيالة العربية فكرة الهجرة والسفر إلى الخارج بحثاً عن عمل مناسب ، أكثر من مرة ، أحياناً بشيء من الجدية ، وفي أكثر الأحيان بكثير من السخرية وعدم المسؤوليه ، لأن : المنتج يرغب غالباً في أن يصور شريطه في أحد البلدان الأوربية ، لكي يضمن وجود بعض المغريات التي تكفل لشريطه النجاح التجاري ، ولذا يلجأ إلى موضوع الهجرة , ولكن هناك أكثر من شريط تعامل مع الهجرة بشيء من حسن التقدير ، وبشيء من الوعي ، حيث يظهر الطرح الفكري أولاً في مستوى المشاهدة ، وفي مستوى التناول والتحليل ، في الحدود التي تسمح بها إمكانات الخيالة العربية المحدودة . ولا نريد هنا أن نتعرض لكل الأشرطة التي تعاملت مع الهجرة ، ولكن نختار شريطاً أنتج منذ سنوات لنتعرض له بالمتابعة ، وهو بعنوان " أمريكا شيكا بيكا " من إنتاج " مجموعة العدل " وإخراج المخرج المعروف " خيري بشارة " ، مع الأخذ في الاعتبار بأن موضوع الهجرة لم تقدمه الخيالة في مصر فقط ، ولكن قدمته أيضاً الخيالة المغربية والتونسية والجزائرية واللبنانية والسورية ، ولكننا نختار هنا شريطاً من إنتاج مصر باعتباره مجرد بداية ، رأينا أن تتحقق من خلال دمج موضوع الهجرة بالشريط الغنائي ، أي الشريط الذي يحتوي على اغنيات يقدمها أحد المطربين المعروفين ، بصفته مطربا وممثلاً في آن واحد .

(2)

اختار المنتج ، وربما المخرج أيضاً ، وكلاهما ساهما في كتابة القصة والمعالجة ، أن يكون العنوان ، قريباً من العناوين الرائحة التي تتسم بالرشاقة وتتناسب مع طبيعة الجمهور الذي يتأثر بعنوان الشريط كثيراً ، ومن هنا جاء العنوان (أمريكا شيكا بيكا ) له طبيعة موسيقية ، وله تنغيم خاص ، يدل على عدم الاستقرار والاهتزاز الشديد ، وهذا ما عبّر عنه موضوع الشريط فعليا ، عندما انهار الحلم وتبدد ، وصارت أمريكا عامل طرد وليس عامل استقرار وجذب .

يعتمد الشريط على فكرة ( النماذج المتعددة ) أو لنقل الشرائح الاجتماعية المتعددة التي تجد نفسها في مواجهة مع الغربة ، وصعوبة الحياة ، فتندفع نحو تجسيد فكرة العودة ، بعد أن تبخر الحلم ، أي أن التراجع وإلغاء فكرة الهجرة هي المصير الذي نقلنا الشريط إليه ، وهو مصير متوقع ، لأن جميع الأشرطة تقريباً تدور في هذا الإطار .

(3)

من أهم النماذج ، شخصية ( منسي ) التي يقوم بها المطرب محمد فؤاد ، وهي شخصية من قاع المجتمع ، يعبر عن شريحة مهنية ، ضاقت به سبل العيش فقرر الهجرة إلى أمريكا للعمل ، واختار ، مع نفس المجموعة ، بلداً مثل ( رومانيا ) لتكون بداية الرحلة ، يستطيع منها الحصول على تأشيرة تسمح له بأن يجسد حلمه الذي ترآى له ، بأن يكون غنياً ، فيحقق طموحاته له ولأسرته التي تنتظره .

ومن الشخصيات الأخرى المهمة نجد الفتاة (( سهى )) وهي أيضاً قد سارت في نفس الخط من أجل الالتحاق بخالها الذي تقول بأنه قد نجح وصار حلماً نموذجياً بالنسبة إليها .

هناك ( دوسة ) وهي امرأة تريد أن تعالج ابنتها التي تصحبها معها ، وتأمل في افتتاح مدرسة للرقص الشرقي في أمريكا ، بعد أن عملت في هذا المجال لسنوات كثيرة ، ولم تستطع من خلاله أن تحقق طموحاتها .

هناك شخصية ( الطبيب ـ فؤاد ـ) الذي يدعى بأنه من فئة اجتماعية راقية ، بفضل ما اكتسبه من شهادات علمية وبسبب المحيط الاجتماعي الذي عاش فيه ، ولكنه في الحقيقة عكس ذلك ، فهو أيضاً كسير الخاطر ، لم يستطع أن يحقق شيئاً ، لذلك يسعى إلى الهجرة الخارجية .

ومن الشخصيات المهمة التي عالجها الشريط بطريقة جيدة (( الغمراوى )) الذي تجاوز مرحلة الشباب ، لكنه يتطلع إلى السفر من أجل تدبير حياة أفضل لأسرته ، ولكنه يسقط ميتافي رومانيا ، وقبل أن يصل إلى أمريكا ، فيدفن في الغربة ، وكأنه قد دفع بحياته من أجل أمل أقرب إلى الوهم .

وفي الشريط أيضاً نجد شخصية أخرى ، لم تمنح ما تستحق من اهتمام ، وهي شخصية ذلك ( البطل ) " رامبو " مفتول العضلات الذي يتصور بأن بلد النجم الأمريكي " سليفستر ستالوني " سوف تستقبله بالأحضان ببشرته السمراء وقامته الممشوقة ، وهو يتصرف على هذا الأساس، بسبب تأثير الوسائط الإعلامية الأمريكية المبهرة والمضلّلة .

شخصية أخرى قريبة من ذلك ، عامل البناء ، أحد النماذج البسيطة التي وجدت نفسها محطمة في الأعمال الصغيرة التي تتلقفها ، فقررت أن تجرب حظها في الخارج ، ولكن الحلم يموت لأنه قد اعتمد على الظنون والأوهام فاضطر إلى بيع نفسه .

(4)

تصل كل هذه النماذج سبعة أفراد وفتاة صغيرة إلى رومانيا ، وعن طريق وسيط مصري جلال أوهمهم بأن رومانيا هي بلد يمكن من خلالها العبور إلى أمريكا بكل سهولة ، ولكن الوهم بالحصول على التأشيرة الأمريكية صار حقيقة بعد أن ترك هذا الوسيط الجميع وفر إلى مكان مجهول غير أن الشريط سرعان ما يتراجع أيضاً ، فهو يجعل من هذا المحتال ، ضحية أيضاً ، عندما يمنحه فرصة التعبير عن تطلعاته وأحلامه ، لأنه يريد أن يعيش ويحقق أحلامه ولو كان على حساب تحطيم الآخرين .

إن الشريط يقدم عدداً من الضحايا دفعتهم صعوبة الحياة إلى طلب الهجرة إلى أمريكا ، ولكن وقبل الوصول إليها ، انقلبت مسيرة حياتهم رأساً على عقب وتعرضوا إلى اهتزاز وسقوط ، فتحطم ما بقي فيهم من جسد لا يكاد يقوى على الاحتمال .

إن التفكير في الهجرة ، مشروع فاشل ، وخصوصاً إذا كانت هذه الهجرة إلى أمريكا ، والتي تبدو وكأنها أشبه بالسراب ، لأنها مظهر مخادع ، وزيف ظاهري ، لا ينال من يتطلع إليه إلا الخسارة .

لذلك جاءت الأغنية التي يغنيها المطرب " محمد فؤاد " لتؤكد هذا المعني :-

(( أمريكا شيكابيكا ... تلاعبك بالشناكل ... وتجيب عاليك واطيكا )) والحقيقة أن الشريط ملئ بالتفاصيل والجزئيات التي تدور في داخل دائرة مغلقة ، والتي تهدف إلى التعبير عن صعوبة الحياة التي عاشتها هذه الشخصيات في رومانيا ، فهي مثلاً تفقد الطفلة الصغيرة ريم حينا ، وهي تضطر للسكن في أماكن صعبة ، وكذلك تلجأ أحياناً لسلوك شائن تمارسه ، لتعبر عن شخصيتها الحقيقية والتي لم يحاول الشريط أن يجعلها مثالية ، وهذا ما حدث للمرأة ( دوسة ) مثلاً وكذلك الغمراوى والطبيب . كما أن المجموعة قد اضطرت للسرقة لكي تعيش ، ومارست الغش ، بعد أن تعرضت لحالات من النصب والاعتداء .

ولقد انتقل الشريط بالمجموعة في أنحاء رومانيا ـ بعد الأحداث السياسية التي أعقبت انتهاء حكم شاوسيسكو ، وبدايات ما يعرف بالانفتاح ، وقدم رقصات رومانية قليلة ، وكذلك بعض المعالم البسيطة من داخل مدينة بوخارست .

ومن جانب آخر ، حاول الشريط أن يجعل من المجموعة المهاجرة موضوعاً للتعبير عن الصراع الاجتماعي .

فأوهمنا بأن هناك اشتباك بين الشخصيات ، مثلما حدث بين الطبيب والمنسي وكذلك بين الفتاة ـ سهى ـ وباقي الشخصيات ، بحيث يزول الوهم بعد ذلك ويعود الترابط الاجتماعي بين أفراد المجموعة ويرجع كذلك الوفاق والتآخي ، ليس بين الفئات فقط ولكن بين الأديان السماوية ، مثلما حدث بين المنسي والطيب المسيحي أثناء دفن جثمان الفرماوى .

في الشريط تفاصيل كثيرة ، ساهمت فيها محاولة إيجاد علاقة عاطفية متوقعة بين سهى والمنسي ، بعد أن سار الشريط في اتجاه عكسي في البداية ، وكان لوجود الطفلة الصغيرة مبرراته لكي تساعد على ربط التواصل بين أفراد المجموعة .

أما إذا تحدثنا عن الأغاني ، فمن الصعوبة اعتبار هذا الشريط غنائياً ، فالشخصية التي تغنى ليست لها دور مطرب ، ولكنها مجرد شخصية شعبية ، يمكن وصفها بأنها من النوع الذي يعرف بالشاطر أو لنقل " الفهلوي " والذي يتعرض لانتكاسات تكشف عن عجزه وضعفه في حقيقة الأمر ، رغم كل الادعاءات الظاهرة .

إن الشريط ليس غنائياً ، ولكنه يحتوى على أغاني ، ولاشك أن صوت محمد فؤاد الشعبي الذي يلمس المشاعر ، ويحرك شيئاً من الحزن داخلها ، قد ساهم في إنجاح الشريط ، رغم أن الأغاني التي احتوى عليها الشريط ليست من النوع التجاري ، لكنها معبرة عن الشريط في كثير من الأحيان ، ولقد تم الربط منذ البداية بين الحزن والغناء ، في منظومة واحدة ، بحيث يؤدي كل منها إلى الآخر .

(5)

في النهاية

بعد أن فقد الجميع كل ممتلكاتهم ، لم يجدوا أمامهم إلا العودة ، بمساعدات رسمية ، رجعوا ، وقد فقدوا أحد أفراد المجموعة ، وفقدوا ، وهو الأهم ، كل أمل في الهجرة ، لأن الهجرة عموماً والهجرة إلى أمريكا ليست إلا وهما ، وما تعرضوا له ليس إلا بداية لما يمكن أن يحدث لهم . غير أن الهجرة لم تكتمل ، لأن المعالجة قد سارت في هذا الاتجاه منذ البداية بتقديم مشاهد عودة للخلف لكل الشخصيات تقريباً ، ولتجعل من التجربة مجرد طرح نظري ، مدعوم بفرضيات تؤكد سقوط فكرة التجربة ، رغم أن الشريط لم يذهب في التحليل بعيداً ، ولم يجعل من التجربة ذات طبيعيه عملية ، لأن قرار العودة قد اتخذ قبل أن تبدأ الشخصيات في ممارسه سياها الدرامي .

(6)

لقد افتعل الشريط صراعاًَ بين الشخصيات ، عندما ادعت الموظفة "سهى" بأنها من مستوى اجتماعي يجعلها تترفع عن غيرها ، كذلك الأمر بالنسبة للطبيب المتعالي على الآخرين ، وافتعل أيضاً بعض الأحداث لكي يسقط أفراد المجموعة في الفخ الذي رتبه لهم المحتال " جابر " وافتعل أيضاً علاقة عاطفية مزعومة بين المنسي وفتاة من رومانيا ، توافق أنها أيضاً تريد السفر إلى أمريكا ، لكي يقود الشريط نحو علاقة مفتعلة أيضاً بين المنسي وسهى .

من الواضح أن الشريط يقف في صف " جابر " فهو لا يريد لكل الشرائح التي اختارها أن تحقق حلم الهجرة ، لأنه يعود بها إلى المكان الذي غادروه رغم الصعوبات التي عانوا في السابق منها ، لكن الحنين إلى أرض ثابتة أفضل من التمسك بأوهام جميلة في ظاهرها .

(7)

في موقف ضاحك يتعرف أفراد المجموعة على النصاب " جابر " في المطار ، فيشرعون في ممارسة انتقامهم منه ، لكنه انتقام مرح وخفيف لأن هذا النصاب قد قدّم لهم خدمة كبيرة، بعدم تحقيق أحلامهم بالهجرة من أساسها .

(8)

أبرز ما في الشريط " التصوير " الذي قاده مدير التصوير " طارق التلمساني " حيث تظهر صعوبة اختيار أماكن التصوير ، والزوايا وغيرها في بلد ، غير معروفة جغرافيته بشكل جيد .

أما عن الإخراج ، فقد كان ذو طبيعة واقعية واضحة ، مع منح كل الشخصيات الفرصة للظهور بالتساوي تقريباً ، ولولا بعض الفراغات والمشاهد التي لا مبرر لها مثل ( سرقة السيارة ) والهروب من الشرطة وغيرها من المشاهد الإضافية ، لقلنا بأن الشريط جيد الحبكة ومتوازن الأحداث والمجريات .

وإذا تحدثنا عن التمثيل نلحظ بوضوح نجاح الممثل " محمد فؤاد " في أغانيه وتمثيله ، وكذلك الأمر بالنسبة لبعض الممثلين الآخرين وبالأخص أحمد عقل وشويكار ، وفي حدود أقل كل من " نهلة سلامة وعماد رشاد والشحات مبروك وسامي العدل ومحمد لطفي .