الخميس، 4 يونيو 2009

"هارفى وفرصته الأخيرة": فرصة قد لا تكررابدا





عندما يصنع الثنائى فيلما

لعل من أهم المميزات التى تتصف بها السينما الامريكية. أنها

تضع فى الاعتبار دائما وجود ‏أفلام خاصة بشرائح عمرية معينة، لايبدو فى

الظاهر أنها تصلح لبطولة هذه الافلام أو لعب ‏أدوار لهذه الشخصيات.

ولعلنا نقصد بذلك الأفلام التى تتركز فيها المعالجة حول الابطال من ‏كبار

السن، ممن تعدوا الستين أحيانا، وفى السنوات الاخيرة كانت هناك أفلام كثيرة

تدور فى ‏هذه الأجواء، ومنها على سبيل المثال "قائمة الدلو – الشك – فى

بلاد الله – لا مكان للمسنين" ‏وغير ذلك من الأفلام ان هذا الأمر لا ينطبق

على السينما الأمريكية فقط، ولكن على السينما ‏الأوروبية ايضا، والتى تتفنن

أكثر فى طرح ومعالجة القضايا الخاصة بالاعمار المتوسطة ‏والكبيرة، بصرف

النظر عن عوائد شباك التذاكر

حيث فى الغالب توزع هذه الافلام بكثرة من ‏خلال الاقراص المدمجة ويكثر

الاقبال عليها فى القنوات السينمائية المتخصصة لهذا السبب نجد ‏أكثر من

ممثل مازال يعمل ويلعب أدوار بطولة احيانا تبدو مطلقة، وهو ما حدث بالنسبة

‏لشين كورى وآل باشينو وروبرت دى نيرو وجاك نيكلسون وكلينت ايستوود وميريل

ستريب وغيرهم.‏

فرصة من العمر:

فى هذا الفيلم "هارفى.. الفرصة الأخيرة" اقتراب من عالم الشخصيات ذات

الاعمار الكبيرة ‏والمتوسطة، وكلمة الفرصة قد جاءت مقترنة بذلك. وهى اخيرة

لأن العمر ربما لا يسمح بفرص ‏أخرى تأتى سريعة أو بطيئة.‏

كما هى العادة يتم التركيز على شخصية الرجل أكثر من المرأة، فهو الذى يحرك

الاحداث ‏ويقود الفيلم. كما ان الفرصة الاخيرة قد اقترنت به أكثر، ولاتكاد

تقترن بالمرأة ذات العمر ‏المتوسط. والحقيقة أن هذه النقطة هى من عوامل ضعف

الفيلم لأن النظرة الذكورية قد سيطرت ‏عليه وهو يقبل وفق هذا المقياس، وما

الافلام الاجتماعية العاطفية إلا مداخل لطرح موضوعات ‏لصيقة بالحياة، تتحرك

بمفاتيح رجولية وليست انثوية، إلا فى النادر والقليل.

فى بداية الفيلم نجد انفسنا أمام "هارفى"، يقوم بدوره الممثل داستن هوفمان،

إنه مجرد ملحن ‏لبعض القطع الغنائية الخفيفة الأقرب الى الاعلانات لوكالة

مانهاتن وهو ناجح فى ذلك الى حد ‏معين، غير أنه يخفى فشلا يستقر فى داخله،

فقد كان يأمل أن يكون موسيقيا يؤلف المقطوعات ‏الكبيرة، ولكن فعليا كما هو

الآن مهدد بالرفض من قبل الجهة التى يعمل بها فى أية لحظة.

كل ذلك تعلمه بعد أن يتجاوز الفيلم احداثه الأولى الخاصة بالتعريف

بالشخصيات وهى فعليا ‏ليست كثيرة إذ لا نجد أمامنا الا هارفى والشخصية التى

تقابله "كيت" والتى تقوم بدورها ايما ‏واتسون.‏

سؤ حظ:

سوف يؤكد الفيلم على فكرة الحظ السىء الملتصقة بها وهى فكرة لها علاقة

بالفشل فى الحياة، ‏كما هو فى ظاهر الأمر، ومن الطبيعى أن يحدث ذلك، فنحن

لا نعلم شيئا عن حياة هارفى ولماذا ‏وصل الى هذه الدرجة من سؤ الحظ أو الفشل.‏لى مستوى آخر يتحرك الفيلم عندما يشرع هارفى فى السفر الى لندن لحضور حفل

زفاف ابنته، ‏وهو يحتاج الى يوم واحد فقط، لأن العمل يقتضى وجوده، ولكن

ولتأكيد فكرة الفشل المقترنة ‏بهذه الشخصية نجد رب العمل يؤكد على أن من حق

هارفى أن يتمتع بأكثر من يوم واحد، بل هو ‏يصر على ذلك.‏

يقدم الفيلم مشهدا آخر ليضع شخصية هارفى فى قالب معين، يعتمد على فكرة عدم

النجاح فى ‏كسب زد الآخرين. إنه يحاول التحدث مع امرأة تجاوره فى الطائرة،

لكنه يفشل، بل تطلب منه ‏المرأة أن يتركها لكى تنام لأن لها عمل ستقوم به

مبكرا.‏

يستمر الفيلم فى اضافة بعض الخيبات الملتصقة بشخصية هارفى، ونحن نعلم بأن

الشخصيات ‏الفاشلة تلفت الانتباه فى السينما أكثر مما تفعل الشخصيات

لناجحة، وحيث انه لا توجد ‏احداث فعلية سابقة، فإن ما يحدث من تفاصيل يمكن

أن يقوم باعتباره دلالة معينة تفيدنا ‏فى فهم شخصية هارفى وأحيانا الرثاء له.‏

سؤال وجواب:

فى مطار هيثرو بلندن يلتقى بأمرأة ترغب فى ان تسأله أسئلة معينة ذات طبيعة

بحثية، إنها ‏‏"كيت" والتى تعمل فى وكالة طيران وهى تسعى لمعرفة رغبات

وطلبات المسافرين عن طريق البحث ‏والاستصقاء.‏

لا يستجيب هارفى لاسئلة المرأة ويهملها بفظاظة، وعندما يصل الى الفندق يجد

نفسه وحيدا وفى ‏غرفة وحده، حيث أن العرس سوف ينظم فى مكان آخر وليس فى

الفندق كما كان يظن ويعتقد.‏

عندما يصل الى العرس يجد ابنته وزوجته السابقة التى طلقها منذ سنوات، ومثل

العادة ‏تزوجت المرأة رجلا آخر أكثر نجاحا من الزوج السابق، وربما يفهم

المشاهد بأن الزوجة غنية ‏ايضا لأنها استأجرت فيلا خاصة بالعرس لابنتها

يقوم الفيلم بلمسة أخرى سلبية بالنسبة ‏لهارفى، فهو يلبس بدلة بيضاء من أجل

الغداء وقد كان الوحيد الذى يلبس هذا اللون، بسبب ‏اعتقاده الخاطىء ايضا.‏

والفيلم يحاول ان يضفى بعض الكوميديا فى هذا الاتجاه، لكنها كوميديا غير

ناجحة كثيرا الا ‏فيما يتعلق بطريقة أداء واستين هوفمان.‏

من سؤ الحظ ايضا أن يجد هارفى بأن "معلاق" البدلة مازال فى داخل أحد

الاكمام ولا نعلم كيف ‏تخلص منه اثناء وجوده فى حلفة العرس.‏

خيبات كثيرة:

بالاضافة الى عدم اهتمام الزوجة السابقة به، فقد تلقى هارفى ضربة أخيرة

موجعة من ابنته ‏الوحيدة وقد قامت بدورها الممثلة "ليان بالبان". انها

اختارت زوج أمها ليكون "الأشبين" ‏الذى يقدمها فى الممر الى عريسها وهو

ايضا من سيلقى كلمة الاستهلال. إن هناك أسباب كثيرة ‏تقود الى ذلك يوجزها

هارفى فى تبرير من عنده خلاصته أنه أب فاشل أو محطم.‏

هذا هو تقريبا نصف الفيلم الأول وهو نصف مكسور يحتاج الى معالجة، ولعل

الجزء الثانى ‏يقودنا الى شىء من ذلك.‏

تظهر من جانب آخر "كيت" وهى مترددة، لم تستطع اقامة علاقة عاطفية كاملة،

ورغم أن ‏صديقاتها يدفعنها الى ذلك وينظمن لها المواعيد لكى تندفع فى تجربة

عاطفية جديدة تخرجها من ‏دائرتها الضيقة، إلا أنها تهرب من كل ذلك، والفيلم

لا يفسر لنا شخصية كيت كما ينبغى، فهى ‏قد بلغت الاربعين تقريبا وتجاربها

الشخصية فاشلة، وهى ايضا قد سبق لها أن تخلصت من جنين ‏بالاجهاض.

ويركز الفيلم على علاقتها بالرجال، حيث يقودها الفشل معهم الى الانسحاب من

‏الحياة الاجتماعية لتصبح رهينة أمرين.. الأول يتمثل فى أمها _ايلين ايتكس"

والتى تعيش ‏حالة أقرب الى الوهم المرضى فتتصل يوميا بابنتها لتشعرها بانها

موجودة. وايضا للام قصة ‏جانبية تتمثل فى خوفها من الجار الذى يقطن تحت

شقتها وتشتبه فى تصرفاته الغريبة.

كما قلنا فان الفيلم تسيطر عليه حالة ذكورية، فالمهم هو هارفى الذى ينبغى

عليه أن ‏ينقذ نفسه بسرعة وفى فرصة أخيرة، بعدم ترك كيت. وبصرف النظر هل

هذه الفرصة مواتية ‏بالنسبة للمرأة أم لا. ولقد استخدمت قصة الأم لهذا الغرض.‏

جلسات الكتابة:

الأمر الثانى بالنسبة لكيت يظهر فى ميلها الى القراءة الأدبية، وهى تخطط

لكتابة رواية أو ‏كتاب، ولهذا تحضر يوميا جلسات الكتابة وربما كان هذا

الحافز هو الذى يقود هذه الشخصية ‏ولكن لم يتم التركيز عليه بما فيه الكفاية.

الا من أجل اظهار مدى الاختلاف فى تكوين ‏الشخصية هارفى وكيت، وأحيانا تكون

الكوميديا فقط هى الحاضر، فلقد حاول السيناريو ‏وكذلك الاخراج أن يقودا

الفيلم نحو بعض الكوميديا المحدودة.‏

كل تلك الاخفاقات المتتالية، اجتمعت لتقود هارفى نحو العودة الى مقر عمله

ولكن ضياع ‏الرحلة والاضطرار للبقاء يوما آخر يؤدى الى الغاء العودة بصفة

نهائية، لقد فصل هارفى من ‏عمله حسبما أعلم بذلك بالتلفون، وهو أمر يدفعه

الى محاولة تعديل الكفة بالسقوط فى ‏الشراب المستمر، حيث يتعرف بسبب ذلك

ومن جديد بالفرصة الاخيرة وهى كيت المرأة المنتظرة.‏

توطيد العلاقة:

مثل العادة تتحول لقاءات السخرية المؤقتة بين الشخصيتين الى لقاءات دائمة

وتتوطد ‏العلاقة مع مرور الوقت، ومن الطبيعى أن يكون الالحاح من قبل هارفى

أكثر، فهو قد قرر عدم ‏العودة الى نيويورك والبقاء فى لندن، وفى مشادة

خارجية يوفر الفيلم فرصة لبطليه لكى ‏يطول الحديث بينهما، كل منهما يتحدث

عن خيباته، بينما تنشغل الأم بالجار البولندى الذى ‏يبدو وكأنه سفاح يحمل

الجثث من مكان الى آخر وهى مغطاة بشكل جيد.‏

عند هذه النقطة تبدو قصة الأم وكأنها اضافة غير مقبولة، فقد اضاعت المعالجة

الكثير من ‏الوقت فى ابراز مخاوف الأم واتصالاتها الهاتفية المتكررة، وهو

أمر بعيد عن جوهر قصة ‏الثنائى "هارفى وكيت".‏

لكن الأمر على العكس من ذلك لقد استخدم الفيلم قصة الأم الجزئية لكى يدعم

بها القصة ‏الرئيسية، فى البداية هناك حالة التباس وهناك مخاوف من هذا

الجار الذى يبدو أنه ساكن ‏جديد، من قبل الأم، وهذا الشك سرعان ما يتبدد مع

مرور الوقت، حتى الوصول الى النهاية ‏ليزول نهائيا.‏

فيلم سابق:


أثناء الحديث المطول عبر الشوارع والحدائق بين هارفى وكيت، لابد لنا أن

نتذكر الفيلم الشهير ‏‏"قبل الشروق – 1995" تم تكملته "بعد الغروب – 2005"

وفيه يدخل البطلان "ايتان هوك ‏وجون ديلبى" فى حوار مطول يستهلك زمن

الفيلمين وبادارة من المخرج "ريتشارد لينكلاتر" لكن ‏الحوار وخصوصا بالنسبة

للفيلم الثانى قد كتبه الممثلان بانفسهما لكى يكون طبيعيا وسهلا ‏ومقنعا.

‏

إن احداث هذا الفيلم تقع فى مدينة جنيف حيث يتعرف جيس على سيلين ويمضيان

وقتا طويلا، ثم ‏يكون موعدهما بعد ستة أشهر فى جنيف ايضا، وفى الفيلم

الثانى يلتقيان بعد 9 سنوات وفى ‏باريس عندما يصبح جيس روائيا يوقع روياته

ويحدث نفس الأمر، اذ يستمر الحديث بين ‏الشخصيتين طوال يوم كامل.

فى هذا الفيلم "هارفى الفرصة الاخيرة" الكثير من ذلك انه فيلم تدور احداثه

فى الخارج ‏ويعتمد على الحوار بين الشخصيتين الرئيسيتين، مع الفارق طبعا فى

نوعية القصة.‏

‏والحوار هنا هارفى هو الذى يقود الاحداث ويغير منها على سبيل المثال تقنع

كيت هارفى بأن ‏يحضر حفل زفاف ابنته ويقبل بذلك على ان تكون معه، وبالفعل

يدخلان حفل الزفاف سويا، ‏بعد مشاهد كوميدية ضعيفة خاصة بشراء فستان لكيت

خاص للعرس، لم يوفق المخرج فى تنفيذها.‏

فى الحفل انتزع هارفى الكلمة من زوج الأم "جيمس برولين" ونجح فى التأثير

على الحاضرين وكذلك ‏نجح فى نيل اعجاب ابنته، حتى انتهت مراسم العرس. ان

هارفى يكسب ابنته ويكسب كيت ويكسب ‏نفسه بعد سلسلة من الاخفاقات المتتالية.‏

الخطوة الاولى:

مرة أخرى يبدو أن الفضل يعود الى "كيت" بالدرجة الأولى فهى الخطوة الاولى

فى تغيير مسار ‏هارفى، وهو ما يقوده الى محاولة الالتقاء بها مجددا، ليطرح

الفيلم من جديد عقدة "كيت" من ‏المواعيد الضائعة، حيث يصاب هارفى بأزمة

قلبية طارئة تمنعه من الحضور فى الموعد.‏

لقد حاول الفيلم ابطاء الايقاع قليلا لكى يكون مقنعا بقدر الامكان، واظهر

تردد "كيت" ‏وحظها العاثر، لكنه سار على نفس النسق تقريبا فى جعل الفرصة

الأخيرة صالحة للثنائى وليس ‏لشخص واحد، وهذا ما ابرزه المخرج "جويل

هوبكنز" فى بساطة مدهشة.‏

فى نفس الوقت وفى القصة الفرعية يكتشف الأم بأنها على خطأ فقد زارها الجار

وقدم لها شرائح ‏من اللحم على سبيل الهدية وهو يعنى أن الثنائى فى طريقه

للتواصل، بعد أن ازيلت أسباب ‏الشك والريبة، ان قصة الأم الفرعية تدفع بقصة

الأبنة نحو الامام وتمنحها التجدد والبقاء ‏والاستمرارية والمصداقية.‏

فى الفيلم موسيقى تبدو غير مختارة بعناية ولاسيما فى المشاهد الخارجية، فهى

تنتظر حدوث حدث ‏معين لتتصاعد بلا مبرر. كما أن الفيلم يخلو من قيمة

موسيقية موحدة تساعده على أن يسير فى ‏تركيبة نسقية واحدة. رغم أن البطل

موسيقى ويعزف أحيانا بعض القطع القابلة أن تبرز فى ‏ثنايا الفيلم.‏

الى حد معين:

لقد أعتمد الفيلم على ممثلين داستن هوفمان وايما واتسون ونجح فى ذلك الى حد

معين حيث بدت ‏ايما واتسون طبيعية مرتبطة بالدور وحده. بينما كان داستن

هوفمان أقرب الى الممثل المحترف ‏الذى نراه دائما بنفس الطريقة والأسلوب

ومن جانب آخر يبدو رهان الفيلم ليس فقط على ‏جاذبية الدورين بل بالدرجة

الاولى على جاذبية الممثلين. فنحن نرى ايما واتسون الممثلة ‏ونرى داستن

هوفمان الممثل ونتابعهما قبل التعامل مع الادوار والشخصيات والعلاقات

‏المتفاعلة داخل الفيلم.‏

لقد لحق هارفى بفرصته الأخيرة، وظهرت علامات ذلك بعودته للعمل السابق،

وربما اختيار عمل ‏أفضل لتحقيق مالم يتحقق من قبل من أهداف وأمنيات. أما

كيت فهى تتجاوز حالتها نفسية ‏المحبطة بهذه الفرصة والتى لا يمكن اعتبارها

اخيرة.‏

ما أكثر الأفلام التى تعاملت مع فشل الآباء ولابد لنا أن نذكر فى هذا

السياق فيلم "قائمة ‏الدلو" وكذلك فيلم "المصارع" ويمكننا أن نضيف ايضا

فيلم "المخطوفة" وسوف نلحظ بأن ‏الحلول تأتى متفاوتة ومتعددة من قبل الآباء.

أما فى فيلم "هارفى الفرصة الاخيرة" فإن ‏اللحظة العاطفية الرومانسية تفرض

حضورها باعتبارها الحل لكل ما صاحب الشخصية من ‏مشكلات لها علاقة بالماضى

واحيانا الحاضر والمستقبل.‏

ليست هناك تعليقات: