الجمعة، 2 يناير 2009

ثلاثة أفلام لـ‮ : ‬تشارلي‮ ‬تشابلن‮ ‬




وجوه تشارلى تشابلن المتعددة


هناك بعض الأعلام في عالم الثقافة والفنون لايقع حولهم خلاف من حيث أهمية
كل شخصية فيهم،وسوف نجد هؤلاء الأعلام قلة أتيحت لهم الفرص لكي يبرزوا في
اختصاصاتهم،بحيث يصعب التفريق بينهم وبين النوع الأدبي أو الفني الذي
يتعاملون معه.

من هؤلاء الممثل والمخرج والسينمائي بشكل عام تشارلى تشابلن،المولود في
لندن عام 1889الذي قدم عشرات الأشرطة التي أرست للسينما العالمية وتطورها.

من أهم أفلام المخرج "خلف الشاشة- 1916"-"المغامر 1917"-الشارع
الهل-اللعنة-حياة كلب -الطفل-"وبالطبع هناك إلى جانب الأشرطة القصيرة أفلام
روائية مثل:الدكتاتور 1940- السيد فررو1947-ملك نيويورك 1960-كونتسيه من
هونج كونج 1967.

في هذه الزاوية نسلط الأضواء على ثلاثة من أشرطة المخرج التي اعتبرها
النقاد من أفضل الأفلام التي قدمتها السينما العالمية عموماً.

البحث عن الذهب:-

من ضمن الأشرطة التي اختارها المعهد الأمريكي للسينما ضمن قائمة أفضل مائة
فيلم أمريكى جاء شريط "البحث عن الذهب"لتشارلى تشابلن في الترتيب رقم
674وهو بذلك يسبق الفيلم المهم "الأزمنة الحديثة-1936"وفيلم"أضواء المدينة
1931"وجميع الأفلام المذكورة صامتة،ولاينافس أفلام تشابلن من حيث الأهمية
إلا الفيلم الصامت الشهير "مولد أمة"1915لمخرجه ديفيد جريفت.

يعتمد الفيلم على فكرة البحث عن الذهب عند بعض المغامرين من خلال هاجس
البحث عن الثراء بأي طريقة،وبما فيها التوجه إلى منطقة "الاسكا"عام 1898أي
قبل أن تصبح ولاية أمريكية.

يعود شابلن إلى شخصية الرجل المتشرد في "البحث عن الذهب - 1925"ويلجأ إلى
كوخ معزول ،هرباً من عاصفة ثلجية،ومالك الكوخ هو مجرم بائس،وبوجود شخص ثالث
أيضاً يملك رسمياً حق التنقيب عن الذهب في المناطق المجاورة تبدأ الأحداث
فعلياً.وعندما يستولى قاطع الطريق على الوثيقة بضرب صاحبها حتى يفقد
وعيه،يشرع في العمل والبحث،ولكن العاصفة الثلجية الشديدة تجعله مفقوداً ومعه
الوثيقة.

أما المتشرد فإنه يتوجه إلى المدينة ليلتقى براقصة،وعندما يعود إلى الكوخ
يجد صاحب الوثيقة قد فقد ذاكرته،لتعود إليه بالتدريج،ثم تأتي عاصفة ثلجية
تقتلع الكوخ ويوضع فوق صخرة عالية،وبمحض الصدفة يعثر الاثنان على
الوثيقة-لكن يستفيد بها المتشرد فعلياً ويصبح شخصاً غنياً ومعه الراقصة التي
التقي بها في البداية.

فيلم مركب:-

تقول الكثير من المصادر النقدية بأن هذا الفيلم يعد من الأفلام المركبة
والمعقدة نسبياً بالنسبة لمخرجه شابلن أو هو ليس من الأفلام البسيطة
المعتادة،لأن هناك تطويراً في الشخصيات وبحثاً في أعماقها،فضلاً عن أن
الكوميديا تتداخل مع المأساة،ويتفوق الممثل شابلن في التمثيل بطريقة
تعبيرية واضحة من خلال التعبير بالوجه والقبعة وأحياناً الظهر والكتفين.

هناك مشاهد كثيرة مازالت عالقة بالذاكرة،وهي مشاهد تنقلها أفلام كثيرة عن
هذا الفيلم "البحث عن الذهب"ومن ذلك مثلاً الحذاء المطبوخ الذي ياكله
المتشردثم ابتسامة الفتاة في المرقص لرجل آخر بينما يعتقد المتشرد بأنها
تبتسم له.وكذلك مشهد الكوخ في العاصفة الثلجية،والمشهد الذي نرى فيه الرجل
المتشرد وهو يعد العشاء للراقصة،ثم ينتظر قدومها ولكنها لاتحضر.

إن الجمع بين الكوميديا والتراجيديا من خصائص وسمات أفلام تشارلي شابلن،وفي
هذا الفيلم يصل التزواج بين النوعين إلى درجته القصوى.

تشويه العلاقات:-

من جانب آخر ترتكز أحداث الفيلم على مايداخل الإنسان،والجشع الذي يقوده إلى
التجرد من إنسانيته،فهذا المتشرد تقوده أقدامه إلى مكان فيه الكثير من
الخطورة والبؤس.كما أن العلاقات البشرية يتم تشويهها،فيعمل أحدهما على قتل
الآخر والراقصة تضع نظرها على الذهب قبل كل شيء.

أما من ناحية إنتاجية فقد صرف على الفيلم ميزانية كبيرة وصلت إلى ميلون
دولار واستمر التصوير "15"شهراً.أما الإيرادات فقد تجاوزت ضعف المصروفات
بشكل مبدئي،وأيضاً حقق نجاحاً في الخارج ومازال يباع إلى حد الآن بأشكال
مختلفة وبلغت أرباحه الملايين.

ولهذا الفيلم مرحلة أولى 1925 وله أيضاً مرحلة ثانية عام 1943عندما أضيفت له
موسيقا تصويرية ورشح بهذا لجائزتي أوسكار ولم يفز بهما ومن الصعب جداً أن
تجد قائمة أفلام عالمية وضعتها مجلة سينمائية أو شارك في وضعها عدد من
النقاد ولاتجد بها هذا الفيلم،وربما كان الحنين إلى بدايات السينما
سبباً،وربما أيضاً هناك تقدير خاص لتشارلي تشابلن،وأفلامه،ولكن هناك الكثير
من الجوانب الفنية والنفسية التي تفرض نفسها عن التطرق إلى هذا الفيلم
والذي يعد أحد أهم كلاسيكيات السينما العالمية.

أضواء المدينة-1931

ليست هناك شهادة حول هذا الشريط،يمكن أن تؤخذ في عين الاعتبار،مثل الشهادة
الذي ذكرها المخرج "اورسوف ويلز"حول شريط "أضواء المدينة"فقد قال عنه بأنه
أفضل فيلم شاهده في حياته.رغم أن الشريط صامت ولايحتوى إلا على بعض
الموسيقا التصويرية،والسينما في زمن إنتاجه كانت ناطقة،مما يعني أن تجربة
تشارلي تشابلن قد سارت في سياق معين،تقني وموضوعي،وهي شاملة ومتكاملة
لايمكن لاختراع الصوت أن يؤثر فيها.

لقد قيل الكثير حول علاقة تشارلي شابلن بالصوت،بمعنى رفضه لاستخدام
الصوت،وبعض النقاد رد ذلك لاعتبارات تنظيمية،أساسها تركيز شابلن على
الصورة على اعتبار أن السينما هي فن الصورة أولاً وأخيراً.

والحقيقة أن شابلن لم ينظر لذلك،ولم يصرح برفضه للصوت وميله إلى الصورة
المنفردة،فالحياة قبل كل شيء صوت وصورة.إنما صاغ تجربته وعاشها فنياً بلا
صوت وتكَّون على ذلك،فهو مثلاً لايستخدم كثيراً اللقطات القريبة،وأغلب لقطاته
بعيدة،مما يعني عدم أهمية التركيز على الصوت،ونحن نعلم بأن الحوار الناطق
قد نقل السينما من اللقطات العامة والبعيدة،إلى اللقطات المتوسطة والقريبة
والقريبة جداً،ليس لإمكانات تعبيرية فقط ولكن لأن حركة الشفاه بالحوار تتطلب
ذلك،ولهذا السبب كان استخدام اينرفشتاين للقطات القريبة مؤثراً وفعالاً
ومبكراً،لأن السينما في تلك الآونة الصامتة لاتستخدمها.

تعامل خاص:-

لم يكن تشارلي شابلن يرغب في التعامل مع الاستوديوهات الخاصة بالصوت،لأنها
تفرض عليه تصويراً داخلياً لايريده،وربما لم يكن يتقن التعامل معها وهو
المعروف بأنه لا يستعين إلا بعدد محدود من التقنيين.

تدور أحداث شريط "أضواء المدينة"حول الصعلوك المتشرد،وهو الشخصية التي
اخترعها شابلن،ولكن هذه المرة بالاستفادة من قصة واقعية لمهرج فقد
بصره،فعمل على إخفاء ذلك عن ابنته.

يقع هذا المتشرد في حب بائعة زهور عمياء "فرجينيا تشيريل"ويعمل المستحيلات
من أجل تدبير المال لإجراء عملية جراحية لها،فنراه يعمل ملاكماً ثم عاملاً
للنظافة،وهو يعيش مع صديق ثري،يستقبله ويكرمه عندما يكون ثملا،ولكن عندما
يفيق من السكر يطرده.وبسبب تدبير المال يدخل الصعلوك السجن،وتجري الفتاة
العملية،لكنها لاتعرف من ساعدها،وهي تتعرف عليه فقط عندما تلمس يده.

إن هذا الشريط يجمع الخط العاطفي الإنساني مع المشاهد الحزينة
المؤثرة،ويقدمها في إطار من السخرية وكثرة التعليق على مشكلات الحياة
بأنواعها ويبرز في الشريط أيضاً اهتمام شابلن بالمشاهد التي تكون أحياناً
نموذجية ولو حاول المخرج أن يكون كذلك عند تنفيذ الصوت بالحوار ما استطاع
ذلك،ومن المشاهد الجيدة دخول المتشرد من باب سيارة فخمة ليخرج من الباب
الآخر،والسبب الفعلي هو تخلصه من الازدحام،بينما تظن بائعة الزهور بعد
سماعها الصوت بأن من يحادثها هو رجل غني،لأنه نزل من سيارة فخمة.

استعداد فعلي:-

في هذا الصدد يذكر بأن تصوير هذا الشريط "أضواء المدينة"قد استمر لثلاثة
أشهر،وهناك لقطات أعيدت أكثر من "300"مرة.

أما الاستعداد الفعلي فقد وصل إلى أربع سنوات،ليصل بعدها إلى نجاح كبير
ويحصل على جائزة المجلس السينمائي الأمريكي الأولى لسنة1931.

أما بطلة الفيلم فقد جاء اكتشافها بالصدفة،رغم دقة تشارلي شابلن وحرصه على
إبعاد الصدفة عن حياته.

ومثل غيره من أشرطة تشارلي تشابلن،اتسم الشريط بالبساطة في الشكل
الخارجي،لكن هناك دائماً رسالة إنسانية واضحة،يحرص المخرج على إبلاغها
للجمهور،ويستخدم كل الإمكانات الفنية من أجل هذه الرسالة،بما في ذلك
الموسيقا التصويرية التي ألفها المخرج،كما يفعل في أشرطته الأخرى.

لايفوق الإخراج،إلا التمثيل الإيمائي الذي امتاز به شارلي شابلن،واعتبره
بديلاً مقنعاً للحوار،والحكم في ذلك هو الجمهور والذي يرفض عند وجود شابلن أي
بديل له.

-الأزمنة الحديثة /1936

يحلو لبعض النقاد أن يطلق على هذا الشريط مصطلح الشريط "الصامت
الناطق"والسبب يعود أصلاً إلى أن المخرج تشارلي تشابلن قد صاغ حواراً مطولاً
للفيلم وكان يعتزم تنفيذه.إلا أنه أحجم عن ذلك،لأنه كان يرى في ذلك مغامرة
غير مضمونة النتائج،فهو كمن يلعب في ملعب ليس ملعبه،أو يمكن اعتبار شابلن
شخصية حذرة،تخاف كثيراً على نجاحها السابق،وفي النهاية أضيفت موسيقا تصويرية
للفيلم وكذلك أضيفت أصوات غير مسموعة بين الحين والآخر،وكأن المخرج قد
اكتفي بالمؤشرات الصوتية ولم يتجاوز ذلك.

يشير إنتاج الشريط إلى فترة الكساد الاقتصادي والمعاناة الشديدة لعمال
المصانع بسبب الأزمات الاقتصادية في أمريكا رغم وجود المصانع وكثرة الإنتاج
أحياناً.

مرة أخرى نجد أنفسنا أمام شخصية الصعلوك،وهذه المرة يقع تحت رحمة الآلة
الضخمة،فهو مجرد عامل تجميع على أحد الخطوط الإنتاجية في مصنع ضخم يملكه
رجال أعمال أثرياء،يستغلون العمال البسطاء لإنتاج المزيد وتحقيق المكاسب
المالية.

سوف نجد ذلك العامل الذي يصارع الآلة ولايستطيع أن يجاريها في السرعة
فيتحول إلى مجرد ترس صغير فيها،وإذا كان مثل هذا التصور كان عام1936وما
قبلها فكيف يكون الحال الآن.وتكون النتيجة أن يتحول العامل من إنسان إلى
آلة ويصيبه انهيار عصبي أو يكاد.أما باب المفارقات في الشريط فواسع وأهم
مفارقة أن يسير المتشرد في مظاهرة ويجد نفسه يحمل علما أحمر،فيتم التحقيق
معه ويدخل السجن.أما الفتاة المتشردة فتدخل السجن أيضاً،لأنها سرقت قطعة
خبز،وكل ذلك يحدث والمصانع تعمل والآلات تدور،ولكن الفقراء لايصلهم أي شيء.

حساسية شابلن:-

لم ينجح هذا الشريط مثل باقي أفلام شابلن،وخسر أكثر من نصف مليون دولار حسب
ماقيل،ذلك أن تكلفة إنتاجه عالية "1.0مليون دولار"والغريب أن أكثر أفلام
تشارلي شابلن تكلفتها الإنتاجية عالية،لاتقارن بباقي الأفلام،والسبب يعود
إلى أيام التصوير العديدة،وكثرة الاعدادات وخصوصاً في المشاهد الرئيسة،
لاسيما وأن حساسية شابلن مبالغ فيها،فهو لايرضى بالمتوسط والجيد.ولابد أن
يبلغ درجة النموذجية ومع أن الفيلم اعتبر دعاية شيوعية في أمريكا إلا أنه
منع في ألمانيا وإيطاليا ونجح في دول أخرى واستعاد مصروفاته بعد سنوات من عرضه.

وفي سيرته الذاتية تحدث شابلن طويلاً عن هذا الفيلم والمشكلات التي
صادفها،وأصل القصة التي اعتمد عليها ونوعية الأغنية التي أضافها،ولقد تعرض
شابلن بعد هذا الفيلم "الأزمنة الحديثة"إلى اتهامات من قبل لجنة النشاط
المعادي لأمريكا،وأجبر على مغادرة أمريكا عام 1952وعاش في سويسرا ولم يعد
لأمريكا إلا لتسلم جائزة أوسكار فخرية،ليعود إلى سويسرا إلى تاريخ وفاته 1977.

ومثل العادة احتوى الشريط على عدة رسائل متداخلة،منها السياسي والإنساني
والعاطفي،ولكن هناك أيضاً إتقاناً في الصنعة الفنية،ربما لايتوفر في أفلام
أخرى للمخرج كما أن هناك إشارات ساخرة إلى مجريات الحياة المعاصرة.

بالطبع هذه الأشرطة لاتتفوق على أشرطة أخرى،ولكن دلالة الأشرطة الثلاثة
أنها تقترب من المجتمع والسياسة والأهم إبرازها للعنصر الإنساني،الذي
يتجاوز حضوره دائرة الحياة المعاصرة في أمريكا إلى دول أخرى ربما لم تصلها
الكثير من الظواهر بشكل بارز،لكن هذه الظواهر قادمة إليها بشكل أو بآخر،حيث
تستقر نوعية الحياة في شكل واحد تعامل معه تشارلي شابلن فأحسن التعامل.



ليست هناك تعليقات: