الأربعاء، 10 سبتمبر 2008

شريط قصير من الإمارات مرايا الصمت




هواجس العزلة ومرايا الصمت

مسابقة أفلام الإمارات من المهرجانات المعنية بعرض الأشرطة في الإمارات والخليج بشكل خاص، كما ‘إنها تنفتح على عروض خارجية كثيرة بحسب المحور الذي تختاره في كل دورة سنوية ، مثل اهتمامها بالسينما التجريبية والسينما الشعرية وسينما التحريك وغيرها، هذه المسابقة كانت سببا في ازدهار الانتاج السينمائي قي الامارات على مستوى الأشرطة الدرامية القصيرة والأشرطة الوثائقية واشرطة التحريك على الترتيب.

ولكن يمكننا أن نقول ، ومن جانب آخر بأن تنظيم مهرجان يسمى مسابقة أفلام من الإمارات كان نتيجة لحركة إنتاجية جيدة وفي كلتا الحالتين فإن نجاح المسابقة وعدد الأفلام المنتجة المتزايدة في كل عام ، يعني أن الهدف قد تحقق وأن التفاعل بين السينمائيين ومسابقة أفلام الإمارات قد سمح بخلق أرضية سينمائية لم تكن موجودة منذ عقد من الزمن.

علينا أن نستدرك فنقول بأن أفلام السينما محدودة الانتاج من جميع الأنواع والأشكال وأن أشرطة الفيديو هي الرائجة وخصوصا بعد انتشار التقنية الحديثة التي تسمح للأفراد والجماعات بالعمل على الأشرطة دون الحاجة إلى مؤسسات كبيرة تتبنى عملية الانتاج والتوزيع.

الإحساس بالعزلة

من الأفلام التي عرضت في الدورة الأخيرة لمسابقة أفلام من الإمارات 2006 شريط بعنوان "مرايا الصمت" لمخرجه نواف الجناحي في تجربة ثانية له بعد أن قدم شريطه الأول "على الطريق" وقد أعيد عرضه في المسابقة الرسمية لمهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة في دورته العاشرة، ضمن محور الأفلانم التجريبية ، رغم أن الفيلم له تماس خفيف مع الأشرطة التجريبية ، وهو إلى الأفلام القصيرة الروائية العادية أقرب، لكنه يبقى بعيدا عن التقليدية ولاسيما من حيث شكله العام وطريقة تعامله مع موضوعه ، وهو ما أوحى بأن يطرح الشريط باعتباره مناسبا إلى قسم التجريب في المهرجان.

اختار المخرج أن يعالج موضوع العزلة أو الشعور بالانعزال واستخدم لذلك طرائق تعبيرية تفرض إحساسا بهذه العزلة من حيث اختيار الأمكنة الداخلية والخارجية وكذلك زوايا التصوير المناسبة، مع تركيز خاص على الاكسسوارات الملازمة لحركة الفرد المعزول داخل المكان والذي من السهولة وصفه بأنه تلك المدينة الحديثة التي تفرض العزلة الموحشة من الخارج وليس من الداخل.

أبيض وأسود

لقد كان اختيار المخرج وهو كذلك كاتب السيناريو أن يكون الشريط بالأبيض والأسود وهو اختيار موفق يتناسب مع الموضوع المطروح إذ نعلم بأن الألوان قد تسير بالتفاصيل نحو نوع من الإشراق واللمعة الزاهية، فيما يعطي تناقضا غير مطلوب أو موحى به.

إن الأحداث يحركها شخص وحيد في غرفته وفي الشارع الكبير وفي المقهى وفي الأزقة الضيقة، وهو لا يتفاعل مع أحد من حوله والسبب كما يوضح الشريط إنما يرجع إلى حالة الضياع الفردي التي تطرح نفسها مع حضور المباني العالية والشوارع الخالية إلا من حركة السيارات السريعة والتي تكمل حركة الأفراد البطيئة في المقابل.

قام المخرج نفسه نواف الجناحي بالدور الوحيد وقد بدا بالثياب العصرية واختفاء العائلة وغياب الأصدقاء أقرب إلى الكائن الانساني العالمي، الذي هو في نفس الوقت أقرب إلى النموذج الرمزي منه إلى إنسان الواقع المعاش.

هواجس الإبداع

إن الأمر الوحيد الدال على مهنة هذه الشخصية هو تلك المشاهد التي تظهره في حالة عمل في إحدى المسرحيات فهو إذن يعبر عن شخصية الفنان الذي يدير العمل وراء الكواليس بصرف النظر عن تحديد نوعية الوظيفة.

ومن هنا فإن المهنة هي المدخل لفهم أطروحة العزلة أو الإحساس بها، من قبل شخصية الشاب الذي تواجهه المدينة فتظهر متعالية وهو ضئيل الحجم، وتبدو واسعة رغم الضيق الداخلي المسيطر على الفرد.

يعبر الفيلم عن عزلة الفرد المبدع والذي يرى نفسه غير حاضر اجتماعيا لأن همومه الذاتية تبقى بعيدة عن اهتمامات من حوله وهذا إحساس ذاتي، قد لا يشعر به الآخرون حيث يسيطر الإحساس بالتمايز على نفسية الفرد الذي يتعامل مع فنون الإبداع عندما لا تكون الأرضية مناسبة ويصعب التواصل مع الأفراد الذين يمرون سريعا فتغيب التضاريس الكاشفة عن كل الوجوه.

زجاجة فارغة

في آخر الشريط تبرز آلة التصوير زجاجة بلاستيكية فارغة ملقاة على الطريق، بعد أن استهلكت وألقيت من خارج الكادر، وفي حين تختفي الشخصية الرئيسية التي لا نعرف لها اسما في العمق، تلعب الريح الخفيفة بالزجاجة الفارغة فتحركها في غير اتجاه محدد.

إن الإحساس بالخفة، هو ما يسيطر على شخصية الشريط تحت تأثير الإحساس الداخلي بأن الاهتمامات الفنية الإبداعية هي في مهب الريح مقارنة بالأعمال والمهن الأخرى الرائجة.

وقد تكررت إحدى الإكسسوارات في الظهور، ونقصد بذلك البيانو الذي يلامس العملية الابداعية ويدل عليها ويكشف وجها آخر مناقضا لوجه المدينة الاقتصادي والتجاري.

نعم إن في الشريط الكثير من الذهنية إذ نحن إزاء فكرة بسيطة عبرت عنها الكثير من الأشرطة بحيث تبدو لنا هاربة من واقعها وربما زمانها ومكانها أيضا، إلا في حدود قولنا بأنها مدينة معاصرة.

وهذا التجريد ليس تعبيرا فرديا أو اختيارا ذاتياـ إلا في حدود ضيقة لأن أكثرية الأشرطة القصيرة التي عرضت في الدورات السابقة لمسابقة أفلام من الإماريات هي من هذه النوعية الذهنية التي تتعامل مع الأفكار والرؤى الذاتية بغض النظر عن مستوى القيمة أو نوعية الاختيار.

صياغات ذاتية

وحتى تلك الأشرطة التي قد نجدها اجتماعية فهي ذات صياغة ذاتية تعبر عن الأحلام أو الذكريات أو التخيلات وفي أحسن الأحوال مشاكل الأفراد باعتبارهم كائنات معزولة ليست لهم أرضية اجتماعية وثقافية واضحة.

وعندما نتحدث عن ذلك فإننا نقصد عشرات الأفلام التي انتجت من قبل شباب ، تبدو القضية الاجتماعية غائبة عن أفلامهم ويلاحظ ما يسمى بالقضية الاجتماعية النقدية رغم أنهم فنيا يعملون بشكل جماعي.

إن شريط "نواف الجناحي" لا يختلف عن ذلك كثيرا إلا من حيث الموضوع وطريقة التعبير وما اختفاء الحوار إلا تعبيرا عن الصمت الذي تعمل المرايا على توزيعه في كل مكان.

أما الموسيقى فهي قرينة العزلة، رغم أن آلة التصوير لم تكن ذاتية طوال زمن الفيلم "15 دقيقة" ولم تعبر عن زاوية نظر الشخصية المفردة وهذا يعني أن القضية المطروحة لها انزياح نحو الخارج ، وربما تشتبك مع العالم المعاصر وتتداخل ، فهي إحدى نتائج المتغيرات الاقتصادية وطرائق الحياة بشكلها الحديث وهو ما لا يخفي سيطرة هواجس الفرد وتضخمها.



ليست هناك تعليقات: