السبت، 13 سبتمبر، 2008

حول الافلام الدينية فى السينما العربية




الملامح العامة للشريط الديني في السينما العربيةh اgsdklh العربية

هناك فرق واضح بين الفيلم التاريخي والفيلم الديني ، وإن كان الاثنان يدخلان الآن في حدود التاريخ ، لكن مجموعة الأفلام التي تقف عند شخصية ، أو حادثة تاريخية ، بصرف النظر عن دورها الديني أو عقيدتها ، فإنه يمكن إدراجها تحت اسم الفيلم التاريخي ، أما الأفلام التي تتخصص في موضوع العقيدة ، والرسالة الدينية ، وعلاقة الناس مباشرة بها ، سواء إبان ظهورها أو بعدها بسنوات فإنها أفلام دينية .

وفي السينما العالمية مثلاً يمكن اعتبار فيلم " كوفاديس " تاريخيا رغم أنه عن تعذيب المسيحيين الأوائل ، لكن فيلم " الرداء " و" الإغراء الأخير للسيد المسيح " أعمالاً دينية وكذلك فيلم " أنشودة برناديت " ، و " المعجزة " ، اللذين يتحدثان عن ظهور السيدة العذراء لإحدى الفتيات الفرنسيات الريفيات .

وبالمثل فإن فيلم " فتح مصر " لفؤاد الجزايرلي عام 1948 ليس فيلماً دينياً ، ليس باعتبار أن دخول عمرو بن العاص بمثابة فتح ديني كما حدث في التاريخ ، ولكن الفيلم أظهر أن المسلمين قد جاءوا من الجزيرة العربية بجيوشهم لإنقاذ الأقباط المصريين من الاضطهاد الروماني ، لذا تحالف الطرفان معاً ضد الحكم الروماني ، ونجحا في القضاء عليه ، إذن فنحن هنا أمام حدث تاريخي في المقام الأول .

وينطبق نفس الأمر على أفلام أخرى اختلطت فيها الأحداث التاريخية العظمى كالغزو الأجنبي ، والحروب والمعارك ، بمصائر الشعوب مثل " صلاح الدين الأيوبي " ، " الناصر صلاح الدين " و " وا إسلاماه " باعتبار أن الحروب هنا بين العرب مسلمين ومسيحيين وبين غاز أجنبي ، وأن المعركة وطنية في المقام الأول .

ولكن هناك أفلام دارت أحداثها بعد ستة قرون من الهجرة تعتبر من السينما الدينية مثل " السيد البدوي " ، وقبل ذلك التاريخ بقليل مثل " رابعة العدوية " و " شهيدة الحب الإلهي " لأنها قامت على فكرة بعث أحد الصوفيين المؤمنين ، في قوم يعيشون في ضلال أشبه ، مع الفارق ، بضلال الجاهلية . فيعمل وجوده على إيقاظ الحس الديني الجماعي لدى الناس .

· حصر عام :

يمكن أن نحصر الأفلام الدينية في اثني عشر فيلماً كما أوردها منير محمد إبراهيم في " بانوراما السينما المصرية عام 1980 " وهي حسب تاريخ عرضها الجماهيري : "ظهور الإسلام " لإبراهيم عز الدين عام 1951 ، و " انتصار الإسلام " لأحمد الطوخي عام 1952 ، و " بلال بن مؤذن الرسول " لأحمد الطوخي عام 1952 ، و " السيد البدوي " لبهاء الدين شرف عام 1953 ، و " بيت الله الحرام " لأحمد الطوخي عام 1957 ، " خالد بن الوليد " لحسين صدقي عام 1958 ، و " الله أكبر " لإبراهيم السيد عام 1959 ، و " شهيدة الحب الإلهي " لعباس كامل عام 1962 ، " رابعة العدوية " لنيازي مصطفى عام 1963 ، و" هجرة الرسول " لإبراهيم عمارة عام 1964 ، و " فجر الإسلام " لصلاح أبو سيف عام 1971 و"الشيماء " لحسام الدين مصطفى عام 1972 ، كما أن هناك فيلماً تلفزيونيا عرض سينمائياً هو " عظماء الإسلام " لنيازي مصطفى ، وهناك في الأفلام العربية فيلم "مولد الرسول " لأحمد الطوخي الذي أخرجه في لبنان عام 1960 ، وفيلم " الرسالة " لمصطفى العقاد الذي أخرجه عام 1976 بأموال عربية أمريكية ، أما فيلم "القادسية " لصلاح أبو سيف عام 1981 والذي تم إنتاجه في العراق ، فهو فيلم تاريخي ينتمي إلى نفس مجموعة الأفلام التي ذكرناها في البداية ، وبالنظر إلى هذه المجموعة القليلة ، سوف نلاحظ أنه قد تم إنتاج أغلبها في فترة معينة يمكن تسميتها بفترة خصوبة ، وهي عقد الخمسينات ( 7 أفلام ) ، ثم الستينات ( 3 أفلام ) ، وفيلمان فقط في السبعينات ، وباعتبار أننا نقدم هذه الدراسة في عام 1997 ، فإن أول فيما ديني كان قد تم إنتاجه تقريباً بعد مرور ربع قرن على ميلاد السينما المصرية ، واستمر النشاط طوال عشرين عاماً ، ليتوقف منذ ربع قرن بالضبط ، وليس هناك تفسير محدد لظهورها في حقبة معينة ثم اختفائها ، يقول البعض " إن الأمر يتوقف على ميزانيات الإنتاج " ، وأعتقد أن هذه مقولة غير صادقة ، فأغلب هذه الأفلام كانت ذوات ميزانية محدودة قياساً لأفلام أخرى تم إنتاجها في نفس السنوات ، مثل " بلال مؤذن الرسول " و "السيد البدوي " ، كما أن هناك أفلاماً أخرى تم إنتاجها فيما بعد أعلى من القيمة الإنتاجية والتكلفة الإنتاجية ، والكثير من الأفلام المعاصرة يتكلف إنتاجها ما يمكن أن ينتج فيلماً دينياً ، كما أن أغلب الأفلام الدينية قد تم عمل ديكور داخلي لها في الاستوديوهات مثل " هجرة الرسول " و " بلال " و " السيد البدوي " بالإضافة إلى التصوير في الصحراء ، وقد بدت الكعبة رغم مهابتها في هذه الأفلام بمثابة ديكور فقير ، غير مكسو ،وحسب المتفرجين ، فهي كعبة سينمائية لم تكن لها أبداً نفس مهابة الأصل .

· نوعان من الأشرطة :-

تنقسم هذه الأفلام في مجموعها إلى قسمين " أفلام حول شخصيات دينية ، أيا كانت الفترة التي كانت تعيشها وأفلام أخرى عن البعثة المحمدية سواء عنها كلها " ، وهذا شيء غير موجود تقريباً أو عن مرحلة من هذه البعثة .

الأفلام التي تدور حول شخصيات كانت حول " خالد بن الوليد " و " بلال " و " الشيماء " باعتبارهم كانوا من المقربين لشخصية الرسول (عليه الصلاة والسلام) ثم عن اثنين من أعلام الصوفية هما " السيد البدوي ، ورابعة العدوية " ، وفي أغلب هذه الأفلام ( عدا الشيماء ) ، كان على الفيلم تتبع الشخصية منذ ميلادها وحتى وفاتها ويتتبع طفولتها بعد ميلادها وظروفها الاجتماعية ومرحلة التحول من الوثنية أو الضلال إلى الإيمان ، أو مرحلة الإعداد الديني كما لدى السيد البدوي ، وقد استثنى من ذلك أيضاً فيلم " رابعة العدوية " باعتبار أن طفولة رابعة قد رأيناها في فيلم " شهيدة الحب الإلهي " ، لكننا في الفيلمين عشنا سنوات حياتها الطويلة حتى لفظت الروح صاعدة إلى بارئها ، وفي كل هذه الأفلام شهدنا الرحيل الأبدي لهذه الشخصيات ، ورأينا مدى سعادتها وهي في طريقها إلى السماء .

أما الأفلام التي عن وقائع تاريخية مرتبطة بالبعثة المحمدية ، فقد تدرجت من فيلم تمت أحداثه قبل ميلاد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مباشرة وهو " بيت الله الحرام " ، ثم فيلم عن " ظهور الإسلام " و" فجر الإسلام " و " هجرة الرسول " ، ثم فيلم آخر تتم أحداثه إبان البعثة هو " انتصار الإسلام " ، وفيلم عن خلفاء الرسول الأربعة وهو "عظماء الإسلام " .

وهذه الأفلام إما أنها تتم بحدث بعينه تقف عنده ، وتختلق له الشخصيات المناسبة له ، أو أنها تبتدع شخصية غير موجودة أصلا في التاريخ ، لكنها تستلم حدثاً جللا وهو البعثة نفسها ، ويدور الفيلم في فلك هذا الحدث ، وقد لعبت الرقابة الدينية على ظهور الشخصيات الإسلامية دورا في زيادة حدة الخيال وعدم الالتزام بالواقع التاريخي ، وقد بدا هذا واضحاً في اختلاف المنظور لشخصية رابعة في فيلمين تم إنتاجهما في عامين متواليين من ناحية ، إلا أن الوقائع التاريخية لفيلم مثل السيد أحمد البدوي قد استمدها السيناريو من مراجع موثوق بها تم ذكرها في بداية الفيلم .

وتتباين أهمية هذه الأفلام حسب موهبة المخرج الذي قدمها ، وقد اشترك أحمد الطوخي في كتابة السيناريو والحوار لثلاثة أفلام منها ، امتلأت أعماله بالمبالغة ، وعدم الإقناع ، والعبارات الرنانة ، وفجوات في تسلسل الأحداث ، والتمثيل المفتعل ، أما حسام الدين مصطفى فقد كسا فيلمه " الشيماء " بالحركة ، ومن المخرجين الذين تميزوا فيها صلاح أبو سيف ، أما إبراهيم عمارة فقد قدم عملاً فنياً هزيلا دارت أحداثه في الاستوديو ، وتميز نيازي مصطفى في تقديم رابعة العدوية ، وخان التوفيق عباس كامل الذي لم يقترب قبل " شهيدة الحب الإلهي " من أي فيلم تاريخي أو ديني ، وعرفت أفلامه أنها من طراز الكوميديا الساذجة ، وفي رأيي أن أكثر هذه الأفلام إقناعاً هو " السيد البدوي " لابتعاده عن المبالغة ، رغم أنه اهتم كثيراً بأن يضع كل أقاويل أحد أولياء الله الصالحين على لسانه في أحداث الفيلم .

· نصوص وممثلون :-

الكثير من هذه الأفلام مأخوذ من نصوص أدبية ، أو اشترك في كتابتها أدباء مبدعون ، سواء بالنسبة لتأليف القصة ، أو السيناريو ، وليس لأي كاتب من هؤلاء الذين سنذكرهم أي ذنب في الصورة الساذجة التي رأيناه عليها في بعض هذه الأفلام ، فأول هذه الأفلام " ظهور الإسلام " مأخوذ من رواية إسلامية عن عمار بن ياسر كتبها طه حسين عام 1949 ، أما نجيب محفوظ فقد أعد السيناريو لفيلم " الله أكبر " ، وتم تحويل فيلم " رابعة العدوية " عن رواية " عروس الزهد " لسنية قراعة ، وكتب عبد الحميد جودة السحار قصة وحوار فيلم " فجر الإسلام " بينما كتب أحمد باكثير قصة فيلم " الشيماء " وشارك الأديب صبري موسى في إعدادها للسينما ، وشارك بيرم التونسي في كتابة حوار فيلم " السيد البدوي " وأغنيات فيلم " بلال " ، كما اعتمدت السينما على فقهاء وعلماء في الدين للمشاركة في كتابة الكثير من هذه الأفلام مثل الشيخ أحمد الشرباصي الذي كتب حوار فيلم " خالد بن الوليد " ، أما المخرج حسين حلمي المهندس فقد شارك في كتابة سيناريوهات " هجرة الرسول " و " خالد بن الوليد " .

كما تكرر ظهور ممثلين بأعينهم في هذه الأفلام ، من الرجال كان عباس فارس في المقدمة حيث قام بالبطولة في فيلم " ظهور الإسلام " و " انتصار الإسلام " و " السيد البدوي " و " بيت الله الحرام " و " خالد بن الوليد " ، ثم يحيى شاهين الذي جسد شخصية " بلال " ثم ظهر في " فجر الإسلام " ، أما عماد حمدي فرأيناه في " ظهور الإسلام " ، و" رابعة العدوية " وتكرر ظهور حسين رياض في " بلال مؤذن الرسول " و " بيت الله الحرام " و " شهيدة الحب الإلهي " و " رابعة العدوية " ، أما من الممثلات فإن ماجدة تقف في المقدمة بأفلام " انتصار الإسلام " و " بلال مؤذن الرسول " و " هجرة الرسول " تليها كوكا في " ظهور الإسلام " و " السيد أحمد البدوي " .

· مزجت هذه الأفلام بعنصر الحركة ، باعتبار أن هناك معارك بين المسلمين والمشركين انتصر فيها المسلمون ، ولكن أغلب هذه المعارك جاءت شكلية ، كأن نرى مجموعة من المتحاربين يتبارزون فوق الجياد بالسيوف ، فلا نكاد نعرف من فيهم المشرك من المؤمن ، ولكننا لا نلبث أن نعرف من الرواية اسم الموقعة ، وقد نجح حسام الدين مصطفى وصلاح أبو سيف في تصوير أجواء المواقع الإسلامية ، مما أعطى لفيلميهما الحيوية ، بينما رأينا المسلمين في أفلام أخرى بالغي الحزن ، يمتلئون بالمعاناة والألم ، مثلما حدث في " هجرة الرسول " و " بلال " ، ورأينا المسلمين في هذه الأفلام حالات فردية ، أكثر منهم ظاهرة دينية جماعية حيث يكتسب المسلمون قوتهم من وحدتهم ، ووجودهم في إطار الجماعة .

وفي الكثير من هذه الأفلام تم تجاهل هذه المعارك الحربية باعتبار أنها كثيرة التكلفة في إنتاجها ، وتحتاج إلى خبير معارك ، وعلى سبيل المثال فإن شخصية خالد بن الوليد في الفيلم الذي قدمه حسين صدقي حول قائد عسكري مسلم قد رأينا السينما تتغافل كثيراً عن المعارك الشهيرة التي ارتبط اسمه به ، وبدلا من المعركة فإن خالد يأتي إلى حييته ليلى وبشكل افتعالي يخبرها أنه انتصر في إحدى المعارك الحربية ، ثم يأتي بعد قليل ليخبرها أنه انتصر في معركة أخرى .

والمفروض في أكثر هذه الأفلام أن هناك معارك حربية ، ولكن السينما التاريخية المصرية قد اهتمت بالمعارك الحربية أكثر ، مثلما حدث في " وا إسلاماه " ، ولكن يبقى فيلم" الشيماء " هو أكثر الأفلام الدينية حركة باعتبار أن بيجاد ، وهو زوج الشيماء ، فارس يقف أمام جموع المسلمين ، وتبلغ شراسته قوتها وهو في ساحة المعركة ، وقد استفادت السينما من فروسية الممثل أحمد مظهر في هذا المضمار .

· علامات وسياقات :-

رغم أننا في أفلام دينية فقد يتبادر إلى الذهن أنها أفلام مليئة بعلامات الخشوع والتقوى فقط ، ولكن العكس صحيح ، فهناك أيضاً نفس المزيج الأزلي الذي تعرفه السينما خاصة في الحقبة التاريخية ، التي تم فيها إنتاج هذه الأفلام ، وهو وجود عدد معين من الرقصات الخليعة وأيضاً مشاهد الدلال والغنج ، مهما بلغت جدية القصة ، وقد تم حشر مثل هذه الرقصات تحت ستار أن الإسلام قد ظهر ليطهّر البشرية من مثل هذه الخلاعة ، وقد بدا ذلك واضحاً في فيلم " فجر الإسلام " ، حيث هناك قوم يعيشون في مجون حقيقي وهناك راقصة تمتطي رجلاً أثناء استعراض خليع ولا يكاد يوجد فيلم ديني واحد يخلو من الرقصات الشرقية .

ففي فيلم " رابعة العدوية " شاهدنا وقائع الليالي الماجنة التي عاشتها رابعة في النصف الأول من حياتها ، وتنافست رابعة ونساء أخريات على كسب قلوب الرجال في ليالي الهوى ، وفي فيلم " السيد البدوي " قامت راقصة بالرقص أمام مجموعة طالبي المتعة في نفس الغار يتعبد فيه البدوي أثناء غيابه ، كما أن فاطمة بنت بري ( تحية كاريوكا ) قد رأيناها تؤدي العديد من الرقصات قبل أن يقوم البدوي بالتصدي لها وهدايتها .

وعلى العكس ، فإن الأغنيات التي امتلأت بها هذه الأفلام قد مزجت بين الغناء الديني والغناء التقليدي ، ولعل الشيماء هي " شادية الإسلام " وهو اسم القصة التي كتبها علي أحمد باكثير ، وقد قامت سعاد محمد بإنشاد مجموعة من الأغنيات الدينية عقب دخولها في الإسلام ، كما غنت أغنيات أخرى كتبها عبد الفتاح مصطفي قبل الدخول في الإسلام ، ويتضمن الفيلم ثمان أغنيات منها " أشرقي شمس الهدي " ، " كما شأن الدنيا مولد " ، " النجاة " ، " طلع الفجر علينا " ، وقد تكررت هذه التجربة من قبل في فيلم " شهيدة الحب الإلهي " حيث شدت سعاد محمد بأغنيات على لسان عايدة هلال ، أما فيلم " رابعة العدوية " فقد تمت فيه الاستعانة بأغنيات أم كلثوم التي أنشدتها في السهرة الإذاعية الشهيرة ، وذلك للاستفادة من نجاحها ، أي أننا هنا أمام حالات بعينها من المطربات اللاتي قمن بالغناء في الأفلام الدينية ، وقد سمعنا مجموعة من الأغنيات الدينية وغير الدينية في فيلم " انتصار الإسلام " منها أغنية " يا منار عين الأحباب " تأليف إمام الصفطاوي ، وأغنية " الرسول " لعبد العزيز سلام ، وفي فيلم " السيد البدوي " غنت شافية أحمد أغنية " نحن " ، وغنت دينار زاد أغنية " يا قافلة " ، وفي الكثير من هذه الأفلام سمعنا أغنية " طلع الفجر علينا " بإيقاعات مختلفة مثل " الشيماء " و " هجرة الرسول " و" بلال " وغيرها .

· جدل وحوار :-

في مقابل الحركة في بعض الأفلام غلب الحوار في الكثير من الأعمال باعتبار أن الحوار هو أساس الإقناع والمجادلة وقد قامت أفلام عديدة على لغة الحوار ، وعلي رأسها " ظهور الإسلام " و " انتصار الإسلام " ثم " السيد البدوي " ، وتبدو أهمية هذا الحوار في أنه بديل عن الصور ، ويختصر الكثير من الأحداث التي نراها على الشاشة باعتبار أن الزمن التاريخي الذي يدور الفيلم في إطاره أطول بكثير من زمنه الدرامي ، وخاصة في الأفلام التي تتناول سيرة حياة الأشخاص ، فرابعة العدوية قد اقتربت من الثمانين عند وفاتها ، والسيد البدوي قد تجاوز الحادية والسبعين حين وفاته ، وأيضاً بلال بن رباح .

ولو اخترنا فيلمين من هذه الأفلام فسوف نرى حواراً طويلاً للغاية في بداية فيلم " السيد البدوي " بين الشيخ " النيسابوري " وبين والد البدوي ، حيث يحدثه عن بشرى عظيمة ورؤيا خاصة رآها الشيخ فيما يتعلق بالوليد القادم ( أحمد البدوي ) ، وتدور المحادثة في أحد المساجد بمدينة فاس المغربية ، أما بداية فيلم " بلال بن رباح " فهي تدور حول بكائيات شديدة المبالغة أثناء حوار بين الزنجي رباح الذي سوف يرزق بغلام أسود مثله ، وهو عبد حبشي سيصير من عبيد السيد خلف ، وبين زوجته التي تحاول أن تهون على زوجها حين تحدثه أن هناك ديناً جديداً سوف يظهر لا يفرق بين العبيد والسادة .

وقد لعبت الأغنية في بعض الأحيان دور الرواية ، حيث تشارك في سرد الأحداث أو بعث نوع من البهجة في أفلام تمتلئ بالتعذيب الذي لاقاه المؤمنون ، وبالبكائيات التي اتسم بها الكثيرون منهم فإن وجود راوية يلعب الدور البديل للمحاورات الثنائية يبدو أمراً أساسياً في هذه الأفلام ، وتعتمد أفلام بأكملها على جود شخصية الراوية الذي لا نراه ليقص علينا الأحداث وليتلو الآيات القرآنية ، أو الأحاديث الشريفة ، ثم يربط بين الوقائع ، خاصة أن الكثير منها تفصله مسافات زمنية كبيرة .

· تصور هذه الأفلام البيئة العربية الصحراوية بكل عاداتها وسمات الأماكن فيها ، فالعرب هنا يعتمدون في رزقهم على التجارة فقد عمل بلال تاجراً ، كما أن السيد البدوي قد راجت تجارة أبيه في مكة حين زاره ، وهناك تجارة الرقيق في أفلام " السيد البدوي " ، " رابعة العدوية " ، " شهيدة الحب الإلهي " ، كما كان عبداً لتأجر كبير في الجزيرة العربية ، وتم التعامل مع الصحراء كمكان جميل في اللقطات العامة ، حيث تحاول الكاميرا الاستفادة من اتساع الصحراء واختلاف صورة الكعبة في هذه الأفلام من مهندس ديكور إلى آخر ، كما لعبت الجمال دوراً جمالياً في أثناء مشاهد الرحيل وأيضاً في مشاهد هجرة الرسول ، وهناك مشهدان للهجرة يكادان يتطابقان في " بلال بن رباح " و "هجرة الرسول " حيث التركيز على أقدام الجمل ، وتحجب الكاميرا بالطبع صورة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ولكنها تتحرك مع الجمل ، وهي تدخل المدينة بينما المهاجرون والأنصار يحيطون بالكاميرا بغناء نفس الأغنية " طلع البدر علينا " ثم نسمع تعليق الراوية الذي يفيد أنه حيث حطت الناقة اتخذ الرسول لنفسه مسجداً " أول مسجد في الإسلام " .

· صور من التعذيب :-

امتلأت هذه الأفلام بمشاهد التعذيب والعويل والصراخ مما يعكس المعاناة التي عاشها المسلمون الأوائل ، حين كان الدين ضعيفاً ويحتاج إلى سند وقوة ، خاصة أن الأفلام التي تم إنتاجها كانت حول المستضعفين من المسلمين مثل " بلال بن رباح " وأيضاً شخصية هاشم ابن شيخ قبيلة الحارث في " فجر الإسلام " ، وهناك أيضاً تعذيب رابعة العدوية بحبسها في غرفة معزولة ، وهناك تعذيب مماثل لشخصية بلال في " انتصار الإسلام " وفي فيلم " هجرة الرسول " تعاني حبيبة وفارس وهما من العبيد المؤمنين بالدين الجديد من أسيادهما الذين يعرضون عليهم صنوف العذب والإيذاء واشتد التعذيب بالمسلمين في فيلم " الله أكبر " وهو تعذيب جماعي تجيء مشاهد التعذيب مليئة بالقسوة للكشف عن شدة الإيمان الذي دخل في قلوب هؤلاء الأشخاص .

والغريب أنه يتم تعذيب المسلمين في الكثير من هذه الأفلام على طريقة تعذيب المسيحيين الأوائل في الأفلام الأمريكية والإيطالية وذلك عن طريق الصلب ، وقد تم صلب شخصية بلال في فيلمي" انتصار الإسلام " و " بلال مؤذن الرسول " لنفس المخرج أحمد الطوخي ، وهناك مشاهد تعذيب كاملة في فيلم " الله أكبر " مأخوذة عن فيلم " ملك الملوك " الأمريكي ، باعتبار أن التعذيب في الأفلام الأمريكية كان جماعياً ، وفي الجزيرة العربية فردياً ، باعتبار أن التعذيب هنا يتم للعبد الواحد الذي دخل في زمرة الإسلام ، ويبدو هذا واضحاً في الحالات التي ذكرناها آنفاً ، وخاصة في فيلم " هجرة الرسول " باعتبار أن كلاً من حبيبة وفارس عبدان لسيد كل منهما يتعذب لدى سيده ، وعلى أيدي رجاله .

· اللغة والشخصيات :-

تفاوتت لغة هذه الأفلام باعتبارها اللغة العربية الفصحى في الأفلام التي دارت في زمن الرسالة وقد التزمت أفلام " فجر الإسلام " و " بلال " و " انتصار الإسلام " و " ظهور الإسلام " و " الله أكبر " ، و " الشيماء " بأن يكون الحوار بين الأشخاص باللغة العربية ، لكن هناك أفلاماً أخرى تم النطق فيها بلغة بسيطة قد تكون مزيجا بين العربية والعامية مثل فيلم " رابعة العدوية " باعتباره قد دارت أحداثه في العراق ، أما فيلم " السيد البدوي " فقد بدت اللهجة الشامية غالبة حتى في المشاهد التي تدور في مكة ، بينما غلبت اللغة العامية على أحداث الفيلم ، وقد تم إسناد أداء هذا الحوار لنجوم اشتهروا بأدائهم الإذاعي المتميز ، فكانت اللغة طيعة على ألسنتهم مثل محمود مرسي ويحيى شاهين وعباس فارس وحسين رياض وسميحة أيوب وتوفيق الدقن .

· سمات وخصائص :-

اعتمدت أفلام عديدة على الكرامات التي ارتبطت بالشخصية التي يهتم الفيلم بتجسيدها ، باعتبار أن المعجزات كانت إحدى السمات المرتبطة بالرسول (عليه الصلاة والسلام) في حدود معينة هي الأخرى ، ولذا فإن الكرامات المرتبطة بالسيد البدوي ورابعة العدوية يمكن للعقل قبولها مثل التغلب على ثعبان ، وتوبة لص ، وسقوط أشخاص من فوق الجبل جاءوا للإيذاء ، أما المعجزات المرتبطة بالرسول أو التي وردت في القرآن الكريم ، قد رأيناها من خلال حماية الكعبة ، والطير الأبابيل في " بيت الله الحرام " ثم في مشاهد الهجرة خاصة في " هجرة الرسول " .

يقول هاني الحلواني في دراسته عن الإسلام في السينما المصرية إن من السمات ، أيضاً ، المنطقية في رسم الشخصيات ، فكفار قريش دائماً يرتدون السواد ، وكثيفو شعر الحاجبين يزمجرون ويضحكون بلا سبب ، أقوياء قوة تجبر المشاهد على احترامهم رغم كل شيء ، أما المسلمون فهم الصورة العكسية لصورة الكفار ، يرتدون الملابس البيضاء بعد أن يهذبوا لحاهم وشعر الحاجبين يكون بلا سبب ويتطلعون إلى السماء دائماً وهم يرتلون آيات قرآنية عادة ويصطبغ أداء الممثلين في المرحلة الإيمانية بصبغة ميلودرامية فجة مثلما في " بلال مؤذن الرسول " .

وقد ذكر الكاتب أن هذه الأفلام قد أغفلت الدور التآمري لليهود في مناهضة الرسالة المحمدية ومحاولاتهم النيل من صاحبها ( صلى الله عليه وسلم ) وإنما كان اليهودي في هذه الأفلام صورة مشوهة ورديئة لشيلوك شكسبير ، أي التاجر اليهودي الجشع جشعاً مادياً ، وما مقاومته للدين الجديد إلا حرصاً على مكاسبه المادية فقط وخشية من دين جديد يدعو إلى عبادة إله واحد وهذه في حد ذاتها مغالطة تاريخية ، فاليهود قبل كل شيء يؤمنون بإله واحد هو " الرب " إله إسرائيل من الأزل إلى الأبد ، وإنما مقاومتهم لهذا الدين الجديد ترجع إلى أن هذا النبي ليس منهم وهم شعب الله ، ومن جهة أخرى تخوف اليهود من عواقب انتشار هذا الدين وتأثيره عليهم اقتصادياً واجتماعياً بما يدعو إليه من مبادئ ، والحقيقة أن السينما المصرية لم تقدم اليهود بهذه الصورة لأن خمسة من هذه الأفلام الاثنى عشر قد تم إنتاجها قبل عام 1957 أي حين كان اليهود من نسيج المجتمع المصري وقبل طردهم ، ثم عندما اشتد العداء بين العرب وإسرائيل ، فإن السينما في موضوعاتها التالية كانت تهتم بالتركيز على الأشخاص مثل خالد بن الوليد ، ورابعة ، والشيماء ، وقد ظهر اليهودي دون إشارة إلى كينونته بشكل واضح في شكل التاجر في فيلم " بلال بن رباح " حيث أقرض مؤذن الرسول مبلغا لمدة معينة مقابل أن يصير بلال عبدا له ولزوجته إذا لم يسدد دينه لكن الله خيب ظن اليهودي الذي جسده شفيق نور الدين .

هناك سمة يجدر الإشارة إليها وهي أن عدداً لا بأس به من هذه الأفلام الدينية قد أنتجه مسيحيون لبنانيون أو أقباط مصريون ، فحلمي رفلة هو منتج فيلم " رابعة العدوية " كما أنتج شارل نحاس فيلم " السيد البدوي " وقام إلياس خوري بإنتاج " بلال مؤذن الرسول " ، كما قام بتوزيع العديد من هذه الأفلام خارج مصر ، وساهم إلياس خوري في إعداد الديكور في نفس الفيلم ، وفي أفلام أخرى مثل " خالد بن الوليد " و " السيد البدوي " إلى جوار زميله شار فنبرج .

محمود قاسم

من كتاب ( صورة الأديان في السينما العربية )

ليست هناك تعليقات: